في يوم ما وهو يدخل خفية دار الأرقم ، ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي ،
فذهب مسرعا إلى أم مصعب حيث ألقى عليها النبأ الذي وقع عليها وقوع
الصاعقة .
ووقف مصعب أمام أمه وعشيرته من أشراف مكة من بني عبد الدار ،
مجتمعين حوله يتلو عليهم من آيات الحق واليقين ، وبرباطة جأش ، أثبت من الجبال
الرواسي . ولما سمعوا منه ذلك جن جنونهم ، وهمت أمه أن تسكته بلطمة قاسية على
وجهه ، لكنها استرخت وتراجعت أمام ذلك النور الساطع الذي زاد وسامة وجهه
الذي ألبسه بهاء وجلالا يفرض الاحترام ، وهدوءا واطمئنانا يفرض الإقناع .
لكنها أخذته إلى ركن قصي من أركان دارها ، وفي زاوية من زواياها أوثقته كتافا
وحبسته فيه ، وأحكمت عليه إغلاق الدار ، وظل رهين حبسه ، حتى علم بخروج
بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة ، فاحتال لنفسه مع من ساعده ، وغافل
أمه وحراسه ، ومضى إلى الحبشة مع أول قافلة مهاجرة بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، بإمرة
عثمان بن مظعون .
ومكث في الحبشة مع إخوانه المؤمنين المهاجرين مدة من الزمن ثم يعود إلى
مكة مع من عاد منهم بعد أن طرق سمعهم أن قريشا هادنت المسلمين ، ثم هاجر إلى
الحبشة مرة ثانية مع المؤمنين والأصحاب الذين أمرهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالهجرة لما
أمعن طغاة المشركين في تعذيب المؤمنين المسلمين بإمرة جعفر بن أبي طالب
بعدما تبين له زيف ما سمع من مهادنة المشركين .
سواء كان ( مصعب بن عمير ) في الحبشة أو في مكة ، فإن إيمانه يفوق المكان
والزمان ، وأينما يكون فهو بطاعة الله ورسوله ، ولقد أتم صياغة نفسه على النسق
الذي رباه عليه الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وجعله نموذجا صالحا مختارا يقتدى به ،
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 4
مساهمون: حسين الشاكري
ص٤