وجلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لتطييب
نفوسهم : ليسوا بالفرار ، ولكنهم كرار إن شاء الله .
روى الواقدي بسنده عن أسماء بنت عميس قالت : أصبحت في اليوم الذي
أصيب فيه جعفر وأصحابه ، فأتاني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخذت ابني فغسلت وجوههم
ودهنتم ، فدخل علي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقال : يا أسماء ، أين بنو جعفر ؟ فجئت بهم
إليه فضمهم ، وشمهم ثم ذرفت عيناه فبكى ، فقلت : يا رسول الله ، لعله بلغك عن
جعفر شئ . قال : نعم ، إنه قتل اليوم . فقمت أصيح ، واجتمع إلي النساء ، فجعل
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : يا أسماء ، لا تقولي هجرا ، ولا تضربي صدرا . ثم خرج حتى
دخل على ابنته فاطمة وهي تبكي وتقول : وا عماه ، فقال : على مثل جعفر فلتبك
الباكية ، ثم قال : اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد شغلوا بأنفسهم اليوم ، فأصبحت
سنة .
وروى الواقدي بسنده عن عبد الله بن جعفر أنه قال : أنا أحفظ حين دخل
النبي ( صلى الله عليه وآله ) على أمي فنعى إليها أبي ، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي ،
وعيناه تهرقان بالدمع حتى قطرت على لحيته ، ثم قال : اللهم إن جعفرا قدم إلى
أحسن الثواب ، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته .
ثم قال : يا أسماء ، ألا أبشرك ؟ قالت : بلى بأبي وأمي . قال : فإن الله جعل
لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة . قالت : بأبي وأمي ، فأعلم الناس ذلك . فقال
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخذ بيدي - أي بيد عبد الله بن جعفر - يمسح بيده رأسي حتى رقى
على المنبر وأجلسني أمامه على درجة السفلى ، وإن الحزن ليعرف عليه . فتكلم
فقال : إن المرء كبير بأخيه وابن عمه ، ألا إن جعفرا قد استشهد وقد جعل الله له
جناحين يطير بهما في الجنة ، ثم نزل فدخل بيته وأدخلني ، وأمر بطعام فصنع لنا ،
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 56
مساهمون: حسين الشاكري
ص٥٦