والاعتبار يقضي ذلك ، فلم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليؤمر عليهم غير جعفر ، مع
كفاءته وكونه أهلا للإمارة وتفوقه على الآخرين في الشجاعة والإخلاص ، كما يدل
عليه ما في الاستيعاب ، لكنما أهل الأهواء من المؤرخين أو غيرهم يعز عليهم أن
يقدم هذا الجيش أخو علي بن أبي طالب ، فقدموا زيدا عليه ، ولو أننا لا نبخس حق
الشهيد زيد ومجده وعزه وقربه وشجاعته ، وكذلك الشهيد عبد الله بن رواحة .
ولكن لجعفر ميزات في نفس الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لا يضاهيها غيره .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : مثل لي جعفر ، وزيد ، وابن رواحة في خيمة من در كل
واحد منهم على سرير ، فرأيت زيدا وابن رواحة في أعناقهما صدودا ، ورأيت جعفر
مستقيما ليس فيه صدود ، قال : فسألت ، أو قيل لي : إنهما حين غشيهما الموت
أعرضا أو كأنهما صدا بوجوههما ، وأما جعفر فإنه لم يفعل .
ومع ذلك فيقول ابن أبي الحديد : اتفق المحدثون على أن زيد بن حارثة كان
هو الأمير الأول ، فإن قتل فجعفر ، فإن قتل فعبد الله بن رواحة ، قال : وأنكرت
الشيعة ذلك وقالوا : كان جعفر بن أبي طالب هو الأمير الأول ، فإن قتل فزيد ، فإن
قتل فعبد الله ، ورووا في ذلك روايات وقد وجدت في الأشعار التي ذكرها محمد بن
إسحاق في كتاب المغازي ما يشهد لقولهم ، ثم ذكر ابن أبي الحديد قصيدة حسان
وأبيات كعب التي مرت ، وهي تشير إلى أن القائد الأول جعفر .
وقال الواقدي : ودفع اللواء إلى أميرهم ، وهو لواء أبيض ، ومشى الناس إلى
جعفر وأصحابه يودعونهم وكانوا ثلاثة آلاف .
وروى الواقدي بسنده : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خرج مشيعا لأهل مؤتة حتى
بلغ ثنية الوداع ، وإنه خطبهم وأوصاهم فقال : أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من
المسلمين خيرا ، اغزوا بسم الله وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، لا تغدروا
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 53
مساهمون: حسين الشاكري
ص٥٣