الالتفات إليهم والاعراض عن كلامهم فسألته رحمه اللّه عن كيفية رؤيته واطلاعه على أهل القبور فقال رحمه اللّه رأيتهم قاعدين في قبورهم كالاحياء في بيوتهم فمنهم من اتسع قبره فبقي في السعة والحبور والرفاهية والسرور ومنهم من لا يقدر على القيام لضيق المقام ومنهم من امتلأ قبره بالدخان ومنهم من أحمي قبره بالنيران ورأيت بعضهم في غاية الضعف والاضطراب ويتألم ويضطرب كالسحاب والسراب وأنا أتكلم معهم واستخبر حالهم واستفسر أسباب موتهم فيجيبون ويسألونني الدعاء وأنا أجد نفسي في أثناء ذلك تارة في قسطنطينية وتارة في بروسه وتارة في غيرهما من الأمكنة التي ما رأيتها قط وأنا في جميع ذلك كالهائم الولهان الذي مسه الجان وكنت في غاية العجز عن اكل الطعام لظهور نجاسته وانكشاف عدم طهارته ودامت هذه الحالة لي مدة سبعة أشهر فبينا أنا مقيم بدار والدي وقد انتشر سواد الليل في الآفاق ونام كل من في البيت من الصغير والكبير إذ جاء رجل فاخذ بيدي وذهب فذهبت معه فمررنا بمواضع غريبة وأمكنة عجيبة ما رأيتها ولا سمعتها من قبل حتى وصلنا إلى سفح جبل ورأيت فيه شخصا قاعدا فتقدم الرجل فيه وقال جئت بطلبك وقدمني اليه فجلست بحذائه فاخذ ذلك الشخص بيدي اليمنى فوضع فيها علامة فإذا جيء بشخص آخر فعل به ما فعل بي ثم أمرنا بالقيام والدخول إلى حظيرة هناك فلما ذهبنا اليه فتح لنا باب الحظيرة فنظرنا إلى داخلها فرأيناها مملوءة من النيران الصافية ليس فيها دخان ولا سواد فامتنعنا عن الدخول فاجبرنا عليه وأغلق الباب من ورائنا فعملت النار فينا ما تعمل في أمثالنا واحترقنا بها بحيث لم يبق منا موضع لا في ظاهر الجسد ولا في باطنه الا وقد مسته النار ثم فتح الباب وأمرنا بالخروج وجاء الرجل وأخذ بيدي وأوصلني إلى مكاني الذي أخذني منه فلما أصبحت وقام والدي إلى الصلاة جاء الىّ ورآني متنكرا مضطربا مما وقع لي من شدائد هذه الليلة فسألني عن هذه الحالة فقصصت له الواقعة فقال ان هذه النار جذبة من نيران المحبة والهيام ولمعة من حرارة العشق والغرام وأن هذه الواقعة تدل على أنك ستصير طالبا للحق ومحبا للتصوف وأربابه قال رحمه اللّه فمن هذه
الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية ( ويليه العقد المنظوم في ذكر أفاضي الروم ) — صفحة 459
مساهمون: طاشكپري زاده
ص٤٥٩