وقال لا بد من ارسالها إلى المفتي وهو يومئذ المولى أبو السعود فان كنت صادقا في دعواك نعطيك ما تسأله وان كذبت فسنجزيك باساءتك الأدب فخرج المرحوم من عنده مغموما ثم أمر الوزير المزبور لبعض العلماء أن يصوّر له بعضا من تلك الصور بحيث يفهمه وكان أوّل موضع منها قوله قال الفاضل الشهير بابن كمال باشا ( وكره سدل الثوب إلى قوله الوطء والتخلي فوق المسجد والبول فوقه وفوق بيت فيه مسجد ) أي مكان أعدّ للصلاة وجعل له محراب وأشار إلى هذا بتعريف الاوّل وتنكير الثاني ( أقول ) عدّ البول فوق المسجد من جملة المكروهات يخالف مخالفة بينة ما هو المصرح به في الكتب المعتبرات والحال انه لم يؤيد كلامه بنقل وما هو الا سهو أو سبق قلم منه فلما سمع الوزير تلك المسألة قال قد أساء الأدب فيه أيضا حيث جوّز البول فوق مسجد وما هو الا رجل سفيه انظر إلى هذا الجهل وسوء الفهم ثم لما سمع مسئلة تجويز بيع العبد في نفقة زوجته مرة بعد أخرى غضب غضبا شديدا وقال إنه تعريض لي فعزم أن لا يوجه اليه منصبا قطعا ونسي ذلك المغرور ألا إلى اللّه تصير الأمور فبقي المرحوم برهة من الزمان في مهامه الذل والهوان واستولى عليه القنوط والياس وقطع أمنيته عن الناس فتوجه إلى جناب مولاه إلى أن قرع سمعه نداء لا تيأسوا من روح اللّه وذلك أنه اتفق فتح سلطانية بروسه وورد الامر من السلطان بان يوجه إلى أحد من المعزولين ولم يوجد منهم الا المرحوم وشخص آخر يبغضه الوزير المزبور أكثر من بغضه للمرحوم فخاف أن يعطيها السلطان ذلك الشخص فسارع في عرض المرحوم فقبله السلطان ثم ندم على ما فعله ولم ينفعه الندم بعد ما زلت القدم وما أصدق من قال :
إذا أتى وقت القضاء الغالب * بادرت الحاجة كف الطالب
فذهب المرحوم إلى مدرسته فشرع في الإفادة وبيض فيها ما كتبه على صدر الشريعة من أول كتاب الحج إلى آخر الكتاب فلما مضى عليه سبع سنين أعطي احدى المدارس الثمان وقد قرأت عليه فيها نبذا من كتاب الهداية ثم نقل إلى مدرسة أياصوفيه ثم نقل إلى مدرسة السلطان سليم خان ثم فوّض اليه الفتوى باماسية في