وفي هذه السنة : أسلم عباس بن مرداس ، وكان لأبيه مرداس صنم يعبده يقال له :
ضمار ، فقال لابنه عباس عند موته : اعبد ضمارا ؛ فإنه ينفعك ويضرك ، فبينا هو يوما عند ضمار ؛ إذ سمع مناديا من جوفه يقول : [ من الكامل ]
قل للقبائل من سليم كلّها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إنّ الذي ورث النبوّة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدي
أودى ضمار وكان يعبد مرّة * قبل الكتاب إلى النبيّ محمد
فحرّقه عباس ، ولحق بالنبي صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » .
وفي هذه السنة : أسلم كعب بن زهير ، وكان قد أسلم أخوه بجير قبله ، فكتب كعب إلى بجير أبياته التي يقول فيها : [ من الطويل ]
شربت مع المأمون كأسا رويّة * فأنهلك المأمون منها وعلّكا
وخالفت أسباب الهدى واتّبعته * على أيّ شيء - ويب غيرك - دلّكا « 2 »
على خلق لم تلف أمّا ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فأخبر بجير النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأبيات كعب ، فلما سمع قوله : المأمون قال :
« صدق وإنه لكذوب ، أنا المأمون » ، ولما سمع البيت الأخير . . قال : « أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه » ، ثم إن بجيرا كتب إلى كعب : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ، فإن كانت لك في نفسك حاجة . . فسر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا ، وكتب له أيضا أبياتا يخوفه فيها ، فلما بلغ كعبا ذلك . . ضاقت به الأرض ، وأشفق على نفسه ، وأرجف به من كان في حاضره ، فقدم المدينة ونزل على صديق له من جهينة ، فذهب به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فوافقاه في صلاة الصبح ، فلما انقضت الصلاة . . قام كعب فجلس بين يديه صلّى اللّه عليه وسلم ، ووضع يده في يده ، وقال : يا رسول اللّه ؛ إن كعب بن زهير قد جاء مسلما تائبا ، فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ قال : « نعم » ، فقال : أنا يا رسول اللّه كعب بن زهير ،
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في « الدلائل » ( 1 / 146 ) ، وابن أبي عاصم في « الآحاد والمثاني » ( 1392 ) ، والخرائطي كما في « البداية والنهاية » ( 2 / 750 ) ، وانظر « سيرة ابن هشام » ( 4 / 427 ) ، وأودى : سرى الداء فيه ، وضمار : بكسر المعجمة مصروف ، وقيل : بفتح المعجمة والبناء على الكسر كحذام ، ومنع هنا لضرورة الشعر .
( 2 ) الويب : الويل .