ثم خرج صلّى اللّه عليه وسلم من الجعرانة إلى مكة معتمرا « 1 » ، فلما فرغ من عمرته . .
رجع إلى المدينة ، واستعمل على أهل مكة عتّاب بن أسيد ، وخلّف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس ويعلّمهم أمر دينهم ، فحج عتّاب بن أسيد ذلك العام بالناس « 2 » ، وقدم صلّى اللّه عليه وسلم المدينة في آخر ذي القعدة أو في ذي الحجة ، وبقي أهل الطائف على شركهم إلى رمضان من سنة تسع ، وأوفدوا قوما منهم بإسلامهم كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى .
وفي هذه السنة مدة مقامه : بعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة ، فدعاهم خالد إلى الإسلام ، فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا ، فقالوا : صبأنا صبأنا ، وجعل خالد يقتل ويأسر ، قال عبد اللّه بن عمر : ودفع خالد إلى كل واحد منا أسيره ، ثم أمر خالد أن يقتل كلّ منا أسيره ، فقلت : لا واللّه لا أقتل أسيري ، ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره ، حتى قدمنا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فذكرناه ، فقال : « اللهم ؛ إني أبرأ إليك مما صنع خالد » « 3 » ، ثم بعث صلّى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب لتلافي خطأ خالد ، وبعث معه بمال ، فودى لهم الدماء والأموال ، حتى ميلغة الكلب « 4 » ، وبقيت معه بقيّة من المال ، فأعطاهم ذلك ؛ احتياطا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مما لا يعلم ولا يعلمون ، فاستحسن صلّى اللّه عليه وسلم فعله ، وعذر خالدا في إسقاط القصاص من حيث إن قولهم :
( صبأنا ) ليس بصريح في قبولهم الدين « 5 » .
وبعث صلّى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد أيضا لهدم العزّى ، وكانت بنخلة ، وكان سدنتها وخدمها بني شيبان من بني سليم ، فهدمها خالد ، ثم رجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم « 6 » .
وبعث صلّى اللّه عليه وسلم عمرو بن العاصي إلى سواع - صنم لهذيل - فهدمه .
هامش
- الغبرة ، ويروى : ( المباءة ) ؛ منزل القوم في كل موضع ، الخادر : الداخل في خدره ، الخدر هنا غابة الأسد .
( 1 ) أخرجه البخاري ( 1780 ) ، ومسلم ( 1253 ) .
( 2 ) أخرجه الحاكم ( 3 / 270 و 594 ) ، والبيهقي في « السنن » ( 4 / 341 ) ، و « الدلائل » ( 5 / 202 ) ، والطبري في « تاريخه » ( 3 / 94 ) ، وابن سعد ( 2 / 142 ) ، وانظر « سيرة ابن هشام » ( 4 / 500 )
( 3 ) أخرجه البخاري ( 4339 ) ، وابن حبان ( 4749 ) ، والنسائي ( 8 / 236 ) ، وأحمد ( 2 / 150 ) وغيرهم .
( 4 ) ميلغة الكلب : شيء يحفر من خشب ويجعل فيه الماء ليلغ ويشرب فيه .
( 5 ) أخرجه الطبري في « تاريخه » ( 3 / 67 ) .
( 6 ) أخرجه النسائي في « الكبرى » ( 11483 ) ، وأبو يعلى ( 902 ) ، وابن أبي شيبة ( 8 / 363 ) ، والطبري في « تاريخه » ( 3 / 65 ) .