تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
وكان أول من عرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن أشيع قتله . . كعب بن مالك ، قال : رأيت عيناه تزهران تحت المغفر ، فقلت : يا معشر المسلمين ؛ أبشروا ، هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأشار إلى : أن اسكت « 1 » ، فعطف عليه نفر من المسلمين ، ونهضوا إلى الشعب . وقد كان أبي بن خلف يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها « 2 » ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « أنا أقتلك عليها إن شاء اللّه تعالى » ، فلما كان يوم أحد . . شدّ أبيّ بن خلف على فرسه قاصدا النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى الشّعب وهو يقول : أين محمد ؟ لا نجوت إن نجا ، فاعترضه رجال من المسلمين ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم هكذا ؛ أي : خلوا طريقه ، وتناول صلّى اللّه عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصّمّة ، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض « 3 » ، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا « 4 » ، ورجع إلى أصحابه وهو يقول : قتلني محمد ، وهم يقولون : لا بأس عليك ، فقال : لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم ، أليس قد قال : « أنا أقتلك » ؟ ! واللّه ؛ لو بصق علي . . لقتلني ، فمات بسرف « 5 » . وطفق نساء المشركين يمثلن بالقتلى من المسلمين بتبقير البطون ، وقطع المذاكير ، وجدع الآذان والأنوف ، لم يحترموا أحدا منهم غير حنظلة الغسيل ؛ فإن أباه أبا عامر الراهب - الذي سماه النبي صلّى اللّه عليه وسلم الفاسق بدل الراهب - كان مع المشركين ، فتركوه لذلك . ولما نظر النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلى ذلك من عمه حمزة . . لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه ، وترحم عليه وأثنى وقال : « أما واللّه ؛ لئن ظفّرني اللّه بهم . . لأمثّلنّ بسبعين منهم مكانك » ؛ فأنزل اللّه تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في « الأوسط » ( 1108 ) ، وابن أبي عاصم في « الجهاد » ( 253 ) ، وابن سعد ( 2 / 46 ) ، وغيرهم . ( 2 ) الفرق - بفتح الفاء والراء ، ويجوز إسكان الراء - : مكيال يسع ستة عشر رطلا . ( 3 ) الشّعراء - بسكون العين المهملة - : ذباب صغير له لذع ، يقع على ظهر البعير . ( 4 ) تدأدأ : تدحرج وسقط . ( 5 ) أخرجه البيهقي في « الدلائل » ( 3 / 237 ) ، وأبو نعيم في « الدلائل » ( 2 / 620 ) ، والطبري في « التاريخ » ( 2 / 518 ) .
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 207 | ابن أبي مخرمة / بوجمعه عبدالقادر