تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم ؛ إذا زالت . . زالوا ، وكانت قريش قد سرحت رواعيها في زرع الأنصار بقناة « 1 » ، فحميت الأنصار لذلك ، فحمل النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه على المشركين ، فهزموهم حتى قال البراء بن عازب رضي اللّه عنهما : رأيت النساء - يعني : هندا وصواحبها - يشددن في الجبل هربا رفعن عن سوقهن حتى بدت خلاخلهن ، فقال الرماة - أصحاب عبد اللّه بن جبير - : الغنيمة ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون « 2 » ؟ فأقبلوا على الغنيمة ، وثبت عبد اللّه بن جبير في نفر دون العشرة ، فلما رأى خالد بن الوليد ذلك ورأى ظهور المسلمين خالية من الرماة . . صاح في خيله ، فحملوا على بقية الرماة ، ثم أتى المسلمين من خلفهم ، وجالت الريح فصارت دبورا بعد أن كانت صبا « 3 » ، وصرخ إبليس - لعنه اللّه - ألا إن محمدا قد قتل فانفضت صفوف المسلمين ، وتزاحفت قريش بعد هزيمتها ، وذلك بعد أن قتل على لوائها أحد عشر رجلا من بني عبد الدار ، وبقي لواؤهم صريعا حتى رفعته لهم عمرة بنت علقمة الكنانية ، فلاثوا به « 4 » ، وخلص العدو إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ورموه بالحجارة حتى وقع لشقه ، وكسر رباعيته « 5 » عتبة بن أبي وقاص - أخو سعد بن أبي وقاص - اليمنى السّفلى ، وجرح شفته ، وجرح ابن قميئة الليثي - واسمه عبد اللّه - وجه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنتيه الكريمتين « 6 » ، وشجّه أيضا عبد اللّه بن شهاب الزهري جد الإمام محمد بن مسلم بن عبد اللّه بن شهاب الزهري ، وهشّم البيضة على رأسه « 7 » ، وكان هؤلاء معهم أبيّ بن خلف الجمحي ، تعاقدوا على قتله صلّى اللّه عليه وسلم ، أو ليقتلنّ دونه ، فمنعه اللّه منهم . قال سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه كأشد القتال ، عليهما ثياب بيض ، ما رأيتهما قبل ولا بعد ، وهما جبريل وميكائيل « 8 » .
هامش
( 1 ) قناة : واد بالمدينة . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3039 ) ، وابن حبان ( 4738 ) ، وأبو داود ( 2655 ) ، والنسائي في « الكبرى » ( 11013 ) . ( 3 ) الدّبور : الريح الغربية ، والصبا : الريح الشرقية ، والمقصود هنا : أن الحال قد انقلبت من الحسن إلى السيء . ( 4 ) لاثوا به ؛ أي : اجتمعوا حوله . ( 5 ) الرباعية - على وزن ثمانية - الناب من الإنسان . ( 6 ) المغفر : ما يلبس تحت البيضة ، شبيه بحلق الدرع ، يجعل في الرأس . ( 7 ) أخرجه البخاري ( 2911 ) ، ومسلم ( 1790 ) ، ومن ثم أسلم عبد اللّه بن شهاب هذا ومات بمكة ، انظر « الإصابة » ( 2 / 317 ) . ( 8 ) أخرجه البخاري ( 4054 ) ، ومسلم ( 2306 ) .
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 206 | ابن أبي مخرمة / بوجمعه عبدالقادر