تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
ثم رحل به أبوه إلى حلب قاضيا بها في سنة ثلاث عشرة ، فقرّأه أيضا على حافظها البرهان ، وحفظ هناك « التّلخيص » ، ثم انتقل إلى القاهرة في سنة خمس عشرة مع المؤيّد ، فأخذ في الفقه والحديث عن الوليّ العراقي ، وفي العقليات عن العلاء البخاري ولازمه كثيرا ، وانتفع به علما وسلوكا ، وقرأ « البخاري » على التّقي المقريزي ، واجتهد في الأدبيات ، حتى برع فيها ، وصارت له يد طولى في المنثور / والمنظوم والإنشاء والترسّل ، ولذا استنابه أبوه في كتابة السرّ بالقاهرة ، ثم استقلّ بها بعد موته ، ثم كتابة سرّ الشّام ، ثم أعيد إلى القاهرة ، ثم صرف ، ورجع إلى الشّام على قضائه ، وحمدت سيرته في مباشراته كلّها ، وكان إماما عالما ذكيّا عاقلا رئيسا كريما ، حسن الخلق والخلق ، متواضعا محبّا في الفضلاء ، مكرما لهم إلى الغاية ولا سيما الغرباء ، حتى صار محطّ رحالهم ، كل ذلك مع ما ينضاف إليه من حسن البشاشة وحلاوة الكلام ، وظرف الشّكالة ، ولطافة الشّمائل ، وكونه هيّنا ليّنا ألوفا عطوفا ، سريع الانقياد إلى الخير ، ليس فيه أذى لأحد من خلق اللّه ، حتى ولا لمن يؤذيه . إلى أن قال : وبالجملة فهو عريق الأصالة ، ضخم الرّئاسة ، عظيم الآباء ، كريم الأجداد . وقد حجّ غير مرّة ، منها في سنة خمسين ، فحمل معه من طلبة العلم والمشايخ والمعتقدين والمنقطعين من يتعسّر حصرهم ، غير أنّه كان معه نحو أربع مائة نفر ونحو ضعفهم من الدّواب ، ولم يدع أحدا منهم يتكلّف إلى شيء ، بل اشترى لأهليهم الهدايا ، ورجع كلّ منهم وهو ذاكر لما يبهر العقل من الاحتمال والإحسان وطلاقة الوجه وليّن القول ، وتكلّف الأكمل من وجوه العبادة كالتجرّد في الإحرام على ضعف بدنه ، والمتابعة في سنن الحجّ وواجباته الأمر المشروع ، ولا سيما في أشياء قد هجرت ، وحصل لأهل الحرمين منه أفضال وبرّ . وحدّث في مكّة باليسير ، وكذا بالقاهرة ، سمع عليه الأئمّة ، وقرأت عليه أشياء ، بل كتبت عنه من نظمه ، بل سمع شيخنا من لفظه ، ومحاسنه كثيرة ، قلّ
القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي — صفحة 353 | عمر الشماع الحلبي / حسن إسماعيل مروة / خلدون حسن