وقد حجّ / وجاور غير مرّة ، وزار بيت المقدس والخليل كثيرا ، وسافر لزيارة الصّالحين بالغربيّة ونحوها في حال صغره مع والده ، ثم في أواخر عمره ، وصحبته قديما وكان يحلف إنّه لا يوازيني عنده من الفقهاء أحد ، ويكثر الدّعاء لي ، وسمع بقراءتي جملة ، بل استجازني ب « القول البديع » من تصانيفي ، بعد أن سمع مني بعضه ، وأفردت جملة من أحواله وأسانيده التي حصلت له أكثرها في تصنيف كثر اغتباطه به ، وكان إماما علّامة ، حسن التّصوّر ، صحيح المعتقد ، متواضعا ، متقشّفا ، طارحا للتكلّف ، بعيدا عن الملق والمداهنة ، ذا أحوال صالحة ، وأمور تقرب من الكشف ، تام العقل خبيرا بالأمور ، قليل المخالطة لأرباب المناصب ، مع إجلالهم له ، حلو اللسان ، محببا للأنفس الزّكيّة من الخاصّة والعامّة ، ممتنعا من الكتابة على الفتوى ، ومن الشّفاعات والدّخول في غالب الأمور التي يتوسّل به فيها ، ركونا منه لراحة القلب والقالب ، وعدم الدّخول فيما لا يعنيه ، حسن الاستخراج للأموال من كثير من التجّار وغيرهم بطريقة مستظرفة جدا ، لو سلكها غيره لاستهجن ، كثير البرّ منها لكثير من الفقراء والطّلبة ، متزايد الأمر في ذلك خصوصا في أواخر أمره ، بحيث صار جماعة من المجاذيب المعتقدين والأيتام والأرامل ونحوهم يقصدونه للأخذ ، حتى كان لكثرة ترادفهم عليه قد رغب في الانعزال بأعلى بيته ، وصار حينئذ يستعمل الأذكار والأوراد ، وما أشبه ذلك ، وحسن حاله جدا .
وبالجملة فكان جمالا للفقهاء والفقراء ، ولا زالت وجاهته وجلالته في تزايد إلى أن تحرّك للسّفر إلى الحجاز مع ضعف بدنه ، وسافر وهو في عداد الأموات ، فأدركه الأجل وهو سائر في يوم الجمعة خامس عشري شوّال سنة أربع وسبعين ، وصلّى عليه عند رأس ثغرة حامد في جمع صالحين من رفقائه وغيرهم ، ودفن هناك .
وبلغني أنّه كان يلوّح بموته في هذه السّفرة ، وعظم الأسف على فقده إلّا طائفة قليلة من معتقدي ابن عربي ، فإنّه كان ممّن يصرّح بالإنكار عليه ، ولم
القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي — صفحة 320
مساهمون: عمر الشماع الحلبي
ص٣٢٠