وأوّل ما ولي من الوظائف الكبار ، تدريس الفقه بقبّة المنصورية ، وقف الصّالح عند رغبة الصّدر بن العجمي له عنه ، ثم ولي غير ذلك .
إلى أن قال : وكان إماما علّامة ، عارفا بأصول الدّيانات ، والتّفسير ، والفقه وأصوله ، والفرائض والحساب والتّصوّف ، والنّحو ، والصّرف ، والمعاني ، والبيان ، والجدل ، والأدب ، والموسيقى ، وجلّ علم النقل والعقل .
إلى أن قال : وقد تخرّج به جماعة صاروا رؤساء في حياته .
فمن الحنفية : التّقي الشّمنّي والزّين قاسم .
ومن الشّافعيّة : ابن خضر والمناوي والوروري .
ومن المالكية : عبادة وطاهر والقرافي .
ومن الحنابلة : الجمال بن هشام .
وهو انظر من رأيناه من أهل الفنون ، ومن أجمعهم للعلوم ، وأحسنهم كلاما في الأشياء الدّقيقة ، مع الإتقان والرّجوع إلى الحق ، ولو على لسان آحاد الطّلبة ، كلّ ذلك مع ملاحة الترسّل ، وحسن اللّقاء ، ونور الشّيبة ، وكثرة الفكاهة ، وعلوّ الهمّة ، ورقّة الصّوت ، وطراوة النّغمة جدا ، بحيث يطرب إذا أنشد أو قرأ ، وسلامة الصّدر ، والمحبّة في الصّالحين ، وكثرة الاعتقاد فيهم ، والانجماع عن التردّد لبني الدّنيا حتى الظّاهر جقمق مع مزيد اختصاصه به .
ولكنّه كان يراسله هو ومن دونه فيما يسأل فيه ، ومحاسنه كثيرة ، وقد حجّ غير مرّة وجاور بالحرمين مدّة ، ونشر فيها علما جمّا ، وعاد في رمضان سنة ستّين وهو متوعّك فسرّ المسلمون بقدومه ، وعكف عليه من شاء اللّه من طلبته وغيرهم أيّاما من الأسبوع إلى أن مات في يوم الجمعة سابع رمضان سنة إحدى وستين ، وصلّى عليه على سبيل المؤمني في مشهد حافل شهده السّلطان فمن دونه ، وتقدّم للصّلاة عليه قاضي مذهبه ابن الدّيري ، ودفن بالقرافة في تربة ابن عطاء اللّه ، ولم يخلف بعده في مجموعه مثله ، رحمه اللّه وإيانا .
ومن كلماته : إذا صدقت المحبّة ارتفعت شروط التّكليف . انتهى ملخصا .
القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي — صفحة 258
مساهمون: عمر الشماع الحلبي
ص٢٥٨