بمرضاهم ، فصار لذلك مكنوسا ممسوحا ، ومنع الناس من المشي فيه إلا حفاة ، وحجّر في كل ما أشرت إليه غاية التحجير ، فاجتمع في الوقف بسبب هذا كلّه من الأموال ما يفوق الوصف ، واستقرّ في القضاء الأكبر بعد العلم البلقيني ، وباشره بحرمة ومهابة وصولة زائدة ، وشدّ في أمر النّوّاب ، واجتهد في عمارة أوقاف الحرمين والصّدقات .
إلى أن قال : وتحرّى بالصّرف من أراد ، وارتدع به المباشرون والجباة ، كل ذلك بالعنف والشدّة .
إلى أن قال : حتّى تعرّض لولد شيخنا بالتّرسيم وغيره ، قال : فعزل بشيخنا عن القضاء ، وبالشّرف المناوي من تدريس الصّلاحية ، وبالولوي الأسيوطي عن الجمالية ، وبأبي الخير النحّاس عن البيمارستان ، ووضع السّلطان على أكثر ما نماه من متحصّل المارستان / وحصل له من المحن أشياء .
إلى أن قال : إنّه اختفى ثمانية أشهر ، ثم ظهر فطلع إلى السّلطان ، فأعاد له الجمالية ، وباشر حضورها على العادة ماشيا في الأغلب من درب الأتراك ، قاصدا إظهار التّواضع ، ولم يلبث أن مرض .
ومات في يوم الثلاثاء مستهل ذي الحجّة سنة أربع وخمسين ، وصلّى عليه المناوي في الأزهر ، ودفن بتربة أقاربه الأسيوطيين في ناحية باب الوزير - رحمه اللّه وعفا عنه وإيانا - .
وأرجو له الانتفاع بما حلّ به من المحن والرّزايا ، ولا سيّما وقد ندم على صنيعه مع شيخنا ، وتوسّل إليه بكشف رأسه ، وعزم على الأسباب المخفّفة عنه مع كونه كان مديما للتّلاوة ، حريصا على المداومة على التعبّد والصّيام والتهجّد ، راغبا في إحياء ليالي رمضان بجامع الأزهر بركعتين يقرأ فيهما كلّ القرآن في كل ليلة ، مع التضرّع إلى اللّه وكثرة البكاء والتعفّف عن كثير من المنكرات ، محبّا في إغاثة الملهوف ، والميل لمساعدة الفقهاء والطّلبة ، بحيث جرت على يده مبرّات منها : تجهيز خمسة من العميان في كل سنة لقضاء فريضة
القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي — صفحة 146
مساهمون: عمر الشماع الحلبي
ص١٤٦