كما قرأته بخطّه النّور الجلاوي المغربي المالكي ، ولازمه نحو عشرين سنة في الفقه والعقليات وغيرها ، وكان يذهب إليه لمصر ماشيا ، ولما مرض أشار عليه بالقراءة في العقليات على العزّ بن جماعة فلازمه ، وكذا انتفع بابن خلدون ، وسمع « البخاري » على ابن أبي المجد ، وهو مع « مسلم » على التّقي الديجوري والجمال بن الشّرائحي ، والصّدر الأبشيطي بفوت فيهما على الثاني فقط ، وبفوت في « البخاري » فقط على الأخير ، وسمع أيضا على التّنوخي والأبناسي ، ولم يزل يدأب في العلوم ، ويتطلب المنطوق منها والمفهوم حتى تقدّم في الفقه والأصلين / والعربية واللّغة والمعاني والبيان والمنطق وغيرها .
وصار إمام عصره ، وفريد دهره ، ويقال : إنّه قال مرّة : أعرف نحو عشرين علما ، لي نحو عشرين سنة ما سئلت عن مسألة منها ، مع تجرّع ما كان فيه من الفاقة والتقلّل الزّائد ، بحيث أخبر عن نفسه كما قال المقريزي : إنّه كان ينام على قشّ القصب ، وربما مضت الأيام ، وليس معه الدّرهم ، بحيث يضطر لبيع بعض نفائس كتبه ، إلى أن تحرّك الحظّ ، وأقبل عليه السّعد ، فأثنى عليه البنان واللّفظ ، فكان أوّل تدريس وليه تدريس الفقه بالشّيخونيّة في سنة خمس وثماني مائة ، ثم ولي غيرها ، ثم قضاء المالكية بالدّيار المصرية في خامس عشري جمادى الأولى سنة [ ثلاث ] « 1 » وعشرين واستمرّ على ولايته إلى أن مات ، وسافر مع السّلطان في جملة القضاة والخليفة مرّة بعد أخرى .
بل جاور بمكّة سنة ، وأقرأ كتبا مع العبادة والتّلاوة ، وكان إماما ، علّامة ، عارفا بفنون المعقول ، متواضعا ، ليّنا ، سريع الدّمعة ، رقيق القلب ، طارحا للتكلّف ، وربما صاد السمك .
اشتهر أمره ، وبعد صيته ، وصار شيخ الفنون بلا مدافع ، وتخرّج به خلق ، وتزاحم الأئمّة من سائر المذاهب والطّوائف في الأخذ عنه ، وحدّث بالقاهرة ومكّة ، وسمع منه الجملة ، واستدعى شيخنا الإجازة منه لولده ، وأثنى عليه ابن
هامش
( 1 ) ما بين الحاصرتين استدركناه من الضوء .