اللتي ، والموفق بن يعيش النحويّ ، وأبي القاسم بن رواحة ، وابن خليل ، ووالده ، وقرأ القرآن على أبي عبد الله الفارسيّ ، وأخذ العربيّة عن جمال الدين بن عمرون ، ورحل معه لما خربت حلب وقرأ القرآن على الكمال الضرير ، وأخذ عن بقايا شيوخها ، ثم جلس للإفادة ، وتخرّج به جماعة من الأئمة وفضلاء الناس .
وكان من أذكياء بني آدم ، وله خبرة بالمنطق ، وأقليدس ، وهو مشهور بالدين والصدق والعدالة مع اطّراح الكلفة وصغر العمامة ، مشى في الليل بين القصرين بقميص وطاقية على رأسه فقط ، وكان حسن الأخلاق فيه ظرف النحاة وانبساطهم ، وكان له صورة كبيرة في صدور الناس ، وكان بعض القضاة إذا انفرد بشهادة حكّمه فيها وثوقا بديانته ، وكان معروفا بحلّ المشكلات والمعضلات ، واقتنى كتبا نفيسة كثيرة ، ولم يتزوّج قط ، وكان له أوراد من العبادة .
قال قطب الدين عبد الكريم : كان كثير التلاوة كثير الذّكر كثير الصلاة ثقة حجة يسعى في مصالح الناس ؛ حكي لي عن القاضي الرئيس عماد الدين إسماعيل بن القيسرانيّ أنّه لم يأكل العنب . قال : لأنّه كان يحبّه فآثر أن يكون نصيبه في الجنّة .
ولما فرغت المدرسة المنصوريّة بين القصرين فوّض إليه السلطان المنصور تدريس التفسير بها ، وكان مرتاض الأخلاق حتى يكون وقت الاشتغال يتنكر ، وكان ربّما سئم فقام وكمّل إلقاء الدرس للطلبة بين القصرين وهم يمشون ، وكان لا يتكلّم في حلّ النحو إلا بلغة العوام لا يراعي الإعراب .
أخبرني الشيخ أبو حيّان ، وعليه قرأ في الديار المصريّة : قال : كان الشيخ بهاء الدين والشيخ محيي الدين محمد بن عبد العزيز المارويّ المقيم بالإسكندريّة شيخي الديار المصريّة ، ولم ألق أحدا أكثر سماعا منه لكتب الأدب ، وانفرد بسماع صحاح الجوهريّ ، وكان كثير العبادة والمروءة والترحّم على من مات من أصحابه لا يكاد يأكل شيئا وحده ، ينهى عن الخوض في العقائد ، وله تردّد إلى من ينتمي إلى الخير ، ولي التفسير بجامع ابن طولون وبالقبة المنصوريّة ، وله تصدير في الجامع الأقمر ، وتصادير
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 776
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٧٧٦