يزيد المبرّد ، فأنشد :
جسمي معي غير أنّ الروح عندكم * فالجسم في غربة والروح في وطن
فليعجب الناس مني إنّ لي بدنا * لا روح فيه ولي روح بلا بدن
ثم قال : ما أظنّ الشعراء قالت أحسن من هذا . فقلت : ولا قول الآخر :
فارقتكم وحييت بعدكم * ما هكذا كان الذي يجب
فالآن ألقى الناس معتذرا * من أن أعيش وأنتم غيب
قال : ولا هذا . قلت : ولا قول خالد الكاتب :
روحان لي روح تضمّنها * جسد وأخرى حازها بلد
وأظنّ غائبتي كشاهدتي * بمكانها تجد الذي أجد
قال : ولا هذا . قلت : أنت إذا هويت الشيء ملت إليه ، ولم تعدل إلى غيره . قال : لا ، ولكنّه الحقّ . فأتيت ثعلبا ، فأخبرته ، فقال : ألا أنشدته :
غابوا فصار الجسم من بعدهم * ما تنظر العين له فيّا
بأيّ وجه أتلقّاهم * إذا رأوني بعدهم حيّا
يا خجلتي منه ومن قوله * ما ضرّك الفقد لنا شيّا
فأتيت إبراهيم بن إسحاق الحربيّ ، فأخبرته ، فقال : ألا أنشدته :
يا حيائي ممّن أحبّ إذا ما * قال بعد الفراق أنّي حييت
لو صدقت الهوى حبيبا على الصّ * حة لمّا نأى لكنت تموت
قال : فرجعت إلى المبرّد ، فقال : أستغفر الله ، إلا هذين البيتين . يعني بيتي إبراهيم .
وقفت على مجلّد فيه معاني مشكل القرآن ، مما سئل عنه المبرّد ، جمع بعض تلامذته ، فيه : رأيت المبرّد سأل الزّجّاج يوما ، فقال : ما تقول في قوله تعالى :
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
[ سورة المائدة ، الآية : 119 ] لم أضاف اليوم إلى الفعل ، والفعل لا يضاف إليه ؟ قال : لأنّ أسماء الزمان تضاف إلى الفعل . قال : فكيف تقول :