ولما مات صلاح الدين استعطف العادل بقصيدة أولها :
ما ذا على طيف الأحبة لو سرى * وعليهم لو ساعدوني بالكرى
فأذن له بالرجوع ، فلما استقر في دمشق قال :
هجوت الأكابر في جلق * ورعت الوضيع بسب الرفيع
وأخرجت منها ولكنني * رجعت على رغم أنف الجميع
وتولى الوزارة للمعظم ، ومات وله نحو من ثمانين سنة .
وجلق - بكسر الجيم واللام - : موضع بالشام .
سنة إحدى وثلاثين وستمائة تكامل بناء المستنصرية ببغداد على المذاهب الأربعة
. قيل : ولا نظير لها في الدنيا .
قال اليافعي : لو تمت بعد نيف وسبعمائة وستين مدرسة حسن بن محمد بن قلاوون في مصر ما كان في الدنيا مثلها فيما شاع عن الجم الغفير .
وفيها الإمام العلامة علي بن أبي علي بن محمد سيف الدين الآمدي الثعلبي الحنبلي ، صاحب التصانيف العديدة المفيدة . كان حنبليا ثم تشفّع ، وانتفع بأبي القاسم بن فضلان ، وبرع في الأصول ، ثم اشتغل بالمعقولات حتى كان أحفظ أهل زمانه لها ، ودرس بالمدرسة المجاورة لقبر الشافعي ، واشتهر فضله ، وعظم نفعه ، ثم حسده فقهاء مصر ونسبوه إلى التعطيل ومذهب الفلاسفة ، وكتبوا محضرا يتضمن ذلك ، ومقتضاه إباحة دمه ، فلما رأى بعضهم ذلك الإفراط وقد حملت إليه الكتب كما كتبوا كتب :
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا فضله * فالكل أعداء له وخصوم
واستوطن حماة ، وصنف في الأصولين والحكمة والخلاف ، ثم انتقل إلى دمشق ومات بها ، وقبره بسفح جبل قاسيون ، وعمره ثمانون سنة . وآمد : مدينة في بلاد بكر مجاورة للروم .