وضعف النقل والخطأ في الاعتذار ، والتوقف أهون من الخطأ في التكفير مع احتمال وجه ما . وأما ما قيل أن ابن سريج وابن داود الظاهري والجنيد ممن أفتى بقتله فلا يصح إلا مع احتمال أن التخليط كثير منه ، ولم يقتل إلا بعد فتياهم بزمان ؛ لأن وفاتهم تقدمت على قصته ، ويؤيد ذلك أن الشيخ عمرو بن عثمان المكي دعا عليه ، وقد تقدمت وفاة الشيخ عمرو بن عثمان على قصته .
وأيضا فلا يظن أن قتله كان إلا مع موجب للقتل ، لأنه كان عن تمهل وفتاوى وإجماع واجتماع عليه ، وتولى ذلك القاضي أبو عمرو المكي في مجلس وزير المقتدر حامد بن العباس . وفي القصة أنه قال وهم يكتبون : ظهري حمى ، ودمي حرام ، [ واعتقادي الإسلام ] ، ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة وبقية العشرة ، واللّه اللّه في دمي ، ولم يزل يرددها إلى أن قتل . ولما قتل أحرق وألقي رماده في دجلة ، ونصبوا رأسه على الجسر .
وما أحسن قول حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في الاعتذار عن خطأ من تخيل منهم الحلول والاتحاد أو غيرهما من مقالات أهل الإلحاد : إنه ينتهي بهم الحال من مشاهدة الأحوال « 1 » والصوارف إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ، ولا يحاول محاول أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح ، ولا يمكنه الاحتراز منه ، والذي يلاحظ ذلك ويصير حالا له « 2 » ينبغي ألا يزيد على قوله :
وكان ما كان مما لست أذكره * فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر « 3 »
انتهى كلامه .
وأظن - واللّه أعلم - أن ذلك الشطح والخروج عن الحد ولو في حال السكر لا يكون إلا عن ضعف الحال ، وأما الكامل صاحب الحال السليم فيكون محفوظا في صحوه وسكره ، مزموما بزمام الشريعة ، واللّه سبحانه أعلم بحقائق العلوم .
هامش
( 1 ) في ب : الأمثال .
( 2 ) كذا في ب ، وفي الأصل : حالا به .
( 3 ) في ب : الرتب .