جميل المحاضرة وحسن المذاكرة ، وكثرة الفوائد وسرعة البكاء خشية وخشوعا عندما يذاكر بالمواعظ ، مع العفّة عن التدنّس بشيء من الفواحش ، والصّيانة من تناول مال الأوقاف بغير حقّ ، وأخذ البراطيل ، إلا أنه شديد الإعجاب بنفسه ، وثابت في أمره ، لا يتزحزح عما يقوم فيه ، ولا يقبل في ولايته رسالة أمير ولا كبير ، ولا يحابي في أحكامه أحدا ، وكثر لذلك حسّاده وعداه ، وكثرت شناعاتهم عليه بما ليس فيه . فلقد صحبني بدمشق ، وقلّ يوم لا يأتيني فيه ، وكثر اجتماعنا ، فلم أر فيه ما أنكره عليه سوى طلبه للوظائف وسعيه فيها ، مع أنّه صاحب عيال ، وليس له مال . وكنت أريد منه أن يتخلّى عن السعي ليكون قوله وفعله متوافقين ، فإنّه كان يتكلّم في أكثر مجالسه بكلام الزهّاد ، ويخالف ذلك بسعيه إلى أبواب الأمراء وأعيان الدّولة وذوي الجاهات ، ويطلب الوظائف و « أي الرّجال المهذّب « 1 » » .
وبالجملة فلقد كان - والله أعلم - خيرا ممّن يتكلّم فيه ؛ فقد خبرت القوم وعرفتهم .
أخبرني - رحمه الله - قال : أخبرني العارف المعمّر جمال الدين يوسف الإمام الصفدي « 2 » قال : « كان سيّدي محمّد الخالدي كثير القبض ، لا يرى منبسطا ، فبينا هو / ذات يوم في الخلوة ،
هامش
( 1 ) عبارة مقبوسة من قول النابغة الذبياني في قصيدته التي يخاطب بها النعمان :ولست بمستبق أخا لا تلمه * على شعث أي الرجال المهذبانظر ديوانه ص 56 ومعاهد التنصيص 1 / 358 .
( 2 ) هو يوسف بن إبراهيم بن أحمد الصفدي ، له كلام على طريق الصوفية . توفي بصفد سنة 806 ه ( الضوء 10 / 292 م وذيل الدرر الكامنة - الترجمة 225 - ص 152 ) .