تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ساخطا على ما فاته منها فقد أصبح ساخطا على اللّه ربّه ، فلا تأس على ما فاتك منها فإنما تنال ما قدّر لك وما قدّر لك لن يناله أحد غيرك . وأخبرني أن السّلطان أبا عنان المريني أمر بعض العزفيين من كتّابه أن يسير إلى بعض مهمّاته في البحر فاستعفاه وأنشده :
أمرتني بركوب البحر مجتهدا * غيري بفضلك أخصصه بذا لراء ما أنت نوح فتنجيني سفينته * ولا المسيح أنا أمشي على الماء
وأخبرني أنّ الفقيه القاضي أبا القاسم بن سعيد العقباني « 1 » التّلمساني أخبره عن أبيه أنّه رأى امرأة بمدينة فاس تعرف بالصّائمة كانت كثيرا ما يتبرّك بها فإنها كانت لا تأكل ولا تشرب دهرها في ليل ولا نهار البتّة ، وأن السّلطان أبا الحسن بن أبي سعيد بن يعقوب بن عبد الحقّ المريني لما بلغه عنها ذلك أمر بها فأحضرت إلى قصره وبقيت عنده مدة ووكّل بها من جواريه من يرقبها فما أكلت ولا شربت وكان شغلها الصّلاة والذّكر ، وأن أبا عنان بن أبي الحسن رغب في نكاحها فلم توافقه على ذلك وسئلت عن سبب تركها الأكل والماء ، فذكرت أنها جيئت ليلة في المنام بتفّاحة قيل لها أنها من الجنّة فشمّتها وأصبحت لا تشتهي طعاما ولا شرابا ، وأن الطّعام والشّراب عندها بمنزلة التّبن عند غيرها لا تشتهيه أصلا . قال : ثم إني توجّهت إلى فاس ولقيت بها الشيخ المحقّق أبا القاسم الصّيرفي فذكرت له ما ذكر لي القاضي عن الصّائمة ، فقال لي : نعم كان ذلك صحيحا لا مرية فيه . قال : ورأيت من رآها وعاينها وحضر حكايتها مع السّلطان ، ثم قال لي : ومن العجائب أني رأيت رجلا يأكل كثيرا ويشرب كثيرا ولا يبول ولا يتغوّط أبدا ، وأن السّلطان أحمد ابن أبي سالم سمع ذلك عنه وكان الرّجل بالبادية فأمر به فأحضر ووكّل به القائد محمد بن محمود صاحب السقيف فوكّل به جملة من خدّامه
هامش
( 1 ) نسبة لبني عقبة ، كما قال السخاوي في ترجمته من الضوء اللامع 6 / 181 .
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 378 | المقريزي