تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
ورجع السّعيد إلى معسكره وقد ظهر من شدّته وشهامته وثباته وصبره في اللّقاء وإقدامه على العساكر الكثيرة ما تعجب منه . وأقام على فاس الجديد مدة سنة كاملة وبنى مدينة مما خرّب من دور فاس البالي وعرصها فجاءت كبيرة جدّا ، وأنزل بها رجاله والحرب قائمة بينه وبين السّلطان ، وحاله تضعف لقلّة ماله وامتناع الأعمال عليه من حمل الخراج إليه ، فأخذ في تنويع المظالم ووضع يده في الناس من أهل فاس البالي يأخذهم بالظّنّة ويعاقبهم على المال بالتّهمة حتى استصفى أموالهم ثم فرض عليهم بأسرهم أن يقوموا له بأجر مساكنهم على ثلاثة أشهر ، وبعث أصحابه فقوّموا أجر المساكن بما شاء وعاقبوا أربابها بأنواع العقوبات ، فضجّوا هم وأولادهم وعيالهم بالدّعاء عليه ليلهم ونهارهم . وقدم عليه ابنه يعقوب من مرّاكش في عسكر كثير ، فبعث عوضه محمد المسعود ، فأساء السّيرة في أهلها وصار أتباعه يتظاهرون بالخمور ، يأخذون الحرم غصبا حتى هموا بالقيام عليه ، فأخذ الحاج عليّ الجابر في الإنكار على أتباع المسعود فأحزق به المسعود وضربه ونتف لحيته ، فخرج ليلا حتى لحق بالأمير أبي عليّ منصور أخي السّلطان أبي سعيد بجبل هنتاتة ، وأغراه به ، فسار إليه بجموعه ، فلم يطق مقاومته وفرّ من المدينة فأدركه غريمه الحاج عليّ وأخذه وقتله وكلّ من معه . وملك أبو عليّ مرّاكش في أوائل رجب سنة خمس عشرة ففتّ ذلك في عضد السّعيد وأخذ أمره ينحل إلى أن قدم عرب المعقل أولاد حسن عونا للسّلطان أبي سعيد عليه ، فانهزم عن كدية العرائس خارج فاس في نصف شعبان منها ونزل مدينة سلا ، فأقام بها ثلاثة أشهر وعاد إلى فاس في أثناء ذي القعدة بعد ما بعث ابنه يعقوب إلى مرّاكش ، فملكها ورفق بأهلها ، فقدم عليه يعقوب من مرّاكش بعسكر كبير يوم نزوله على فاس ، فلم يتمكن من كدية العرائس ونزل بعيدا عنها ، ثم ركب أصحاب السّلطان بعد ثلاثة وقاتلوه أياما إلى أن انهزم وهو سكران ، فتقنطر عن
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 309 | المقريزي