يعرفه وقد فارقه بالأمس .
قال لي شيخنا الأستاذ أبو زيد ابن خلدون : ما داخلني وهم من أحد ولا تهيّبت أحدا في عمري سواه لما اجتمع بي .
وقال لي العبد الصالح عليّ بن عمر : أقام عندي بمنزلي أياما نأكل جميعا ونبيت جميعا ، ثم فارقني عشاء وقد ماتت لي ابنة فحضر جنازتها ومشى قريبا منّا إلى التّربة ثم عاد وأنا لا أعرفه ، فإني كنت أرى رجلا مغربيا أعرج له لثام ، فأقول : ترى من هذا الرجل الذي تكلّف معنا يومنا .
فلما رجعت إلى منزلي دخل عليّ بتلك الهيئة وتعرّف لي حتى عرفته .
وبالجملة فلقد كان نسيج وحده في عامة فضائله إلا أنّ الأيام لم تسعده والأقدار لم تساعده ، بل ما زال أخا قلّة ، وحليف خوف ، وتشديد ، وإعواز وذلّة .
أنشدني لنفسه ما كتب به إلى أبي هاشم « 1 » وفيه بعض التغير عما تقدّم :
ما يعلم العبد ما يجري به القدر * ولا ينجيه مما يحذر الحذر
لا الجبن يغدو به المحتوم من أجل * ولا بخوض المنايا ينقص العمر
وإنما هي أوهام يخيّلها * إلى النّفوس فتور العزم والخور
مات الجبان حبيسا دون مطلبه * وقارن المقدم التأييد والظّفر
فانهض وخلّ أمانيا تسوفها * ما لأشجارها ظلّ ولا ثمر
وعان أسباب ما ترجوه مجتهدا * واصبر ولا يصرفنك اليأس والضّجر
فإن ظفرت بما أملت وانتظمت * لك الأمور التي ترجو وتنتظر
فحكّم السّيف لا تعبأ بعاقبه * ولا تبال بمن لاموك أو عذروا
حتى تطهّر هذا الدين من نجس * ويذعن البدو للمعروف والحضر
فالماء من سائر الأنجاس مطهرة * وليس للدين إلا بالدّما طهر
وأنشدني لنفسه أيضا :
هامش
( 1 ) هو أحمد ابن البرهان ، ورد ذكره قبل قليل ، وترجمته رقم 214 .