تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
النحاة « 1 » . وله مقدّمة سمّاها « اللباب » ، وحواش على درّة الغوّاص ، وجزء في أغاليط الفقهاء ، وكتاب الردّ على ابن الخشّاب في ردّه على الحريري . وكان علّامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره ، اطّلع على أكثر كلام العرب . وكان له التصفّح في ديوان الإنشاء ، فلا يصدر كتاب إلى ملك ولا يعطى لأحد مرسوم إلّا بعد أن يتصفّحه ويصلح ما لعلّه فيه من خلل . وكان المصريّون يقولون إنّه لم يأخذ كتاب سيبويه عن أحد ، وإنّما أخذه بالقوّة . فلمّا مات وجد في أوراق الجزء السادس من سيبويه بخطّ الشيخ أبي بكر الشنترينيّ ما مثاله : « قرأ عليّ الشيخ أبو محمد عبد اللّه ابن الشيخ برّي بن عبد الجبّار بن برّي المقدسي هذا الجزء وما قبله من الكتاب ، فكمل له جميع الكتاب قراءة فهم ودراية » . فعلم أنّه قرأ الكتاب . وحكى عنه صاحبه المختصّ به عبد الخالق بن ريدان المسكيّ قال : لمّا أملى علينا شيخنا أبو محمد ابن برّي حواشي الصحاح وانتهى إلى فصل « رمث » وأنشد الشاهد منه [ الطويل ] :
تمنّيت من حبّي عليّة أنّنا * على رمث في البحر ليس لنا وفر « 2 » [ 186 ب ]
قال : وهذا من أبيات لأبي صخر الهذلي وم [ نها ] :
أما والذي أبكى وأضحك ، والذي * أمات وأحيا ، والذي أمره الأمر
وأنشد الأبيات حتى انتهى إلى قوله :
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها * وينبت في أطرافها الورق الخضر
فتبسّم . فسألته عن سبب تبسّمه فقال : هذا البيت كان سبب اشتغالي بالنحو واختصاصي به : وذلك أنّ والدي كان كتبيّا في زقاق القناديل بمصر ، وكان يجلس إليه وجوه الفضلاء كابن أبي حصينة وظافر الحدّاد الشاعرين ، وغيرهما . فأنشد أبي هذا البيت وقال فيه : الورق الخضر بكسر الراء فضحكوا منه وانصرفوا وأبي خجلان . وجئته وهو على تلك الحال من الانقباض والخجل فسألته عن خبره ، فأخبرني بالقصّة . ثمّ قال لي : يا ولدي ، متى يحقّق اللّه عزّ وجلّ فيك رؤياي ؟ فإنّي مترقّب فيك ما بشّرت به في النوم . فقلت له : وما هذه الرؤيا ؟ فقال : رأيت كأنّني في بيت المقدس ، وبيدي رمح طويل في رأسه قنديل يتوقّد نارا ونورا ، فحملته حتّى ركّزته على الصخرة . فأوّلت رؤياي على معبّر فقال لي : يولد لك مولود يشيع ذكره ويرتفع قدره بمقدار ما رأيت من علوّ الرمح وضوء القنديل . ( قال ) فوجدت في نفسي نشاطا وقوّة وحدث لي في الحال محبّة العلم ، فقلت : أيّ العلوم تؤثر أن أشتغل به ؟ فقال : يا بنيّ ، أوّل ما أريد أن تشتغل به النحو ، فإنّه رأس العلوم ، وبه يعرف تأويل القرآن وحديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . وفائدتي فيه أنّك تتعلّمه وتعلّمنيه ،
هامش
( 1 ) ملك النحاة لقب الحسن بن صافي بن عبد اللّه ( انظر السيوطي : الأشباه والنظائر 3 / 171 نقلا عن هامش 2 ج 2 ص 111 من أنباه الرواة ) . وفي كشف الظنون 1072 أنّ الذي بدأ كتابة الحواشي على صحاح الجوهريّ هو أستاذه علي بن القطّاع الصقلّي ( ت 515 ) . ( 2 ) في المخطوط : أنّني : على . . . ليس لها . . . ، والإصلاح من الصحاح ( رمث ) ومن أشعار الهذليّين ، 958 . والرّمث : الخشب المضموم بعضه إلى بعض في هيئة الزورق .
المقفى الكبير — صفحة 252 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي