تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
وسمع من أبي بحر سفيان بن العاص ، وعبد العزيز بن عبادة [ الجيّاني ] . وقدم مصر حاجّا فقرأ على ابن الفحّام ، وأبي بكر بن عبد الجليل ، وأبي محمد عبد اللّه بن عمر العرجاء إمام المقام . وكان من أصحاب ابن نفيس ، وعبد الباقي بن فارس ، فبرع في القراءات ورأس فيها ، مع الصلاح والزهد والجهاد . قرأ عليه أبو بكر محمد بن حسنون [ البيّاسيّ ] وغيره . توفّي بعد الأربعين وخمسمائة ، وقد شاخ .

1493 - عبد اللّه بن دسومة « 1 » [ - قبل 270 ]

[ 160 أ ] أقامه أحمد بن طولون أمينا على أبي أيّوب أحمد بن محمد بن شجاع « 1 » لمّا أقرّه على الخراج من قبله ، وجعل نعيما المعروف بأمين الذويب عينا عليهما . وكان عبد اللّه شهما واسع الحيلة بخيل الكفّ زاهدا في شكر الشاكر يرى أنّ الثناء ممّن يعمل معه الجميل إنّما هو حيلة من القاصد على المقصود لينال بها ما يريده . وكان لا يهشّ إلى شيء من أعمال البرّ . وكان فيه مع هذا سعاية ، فمقته الناس وكثر الدعاء عليه . وكان أحمد بن طولون رقيبا على نفسه يتصدّق في إثر الإساءة إذا جرت منه إلى أحد بصدقات جليلة ويتضرّع إلى اللّه تعالى في تمحيص ما جناه ، وكان بذلك يوقّى ويكفى وينصر . فلمّا ورد عليه كتاب أمير المؤمنين المعتمد على اللّه بردّ الخراج إليه وزاده خراج الثغور الشاميّة رغب بنفسه عن أدناس المعاون ومرافقها فأمر بتركها وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال ، ومنع المتقبّلين من الفسخ على المزارعين ، وحظر الارتفاق على العمّال . وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد اللّه بن دسومة في ذلك فقال : إن أمّنني الأمير تكلّمت بما عندي . فقال : قد أمّنك اللّه عزّ وجلّ . فقال : أيّها الأمير ، إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان ، والحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى . والمفرّط من خلط بينهما فتتلف أعماله ويبطل سعيه . وأفعال الأمير أيّده اللّه [ أفعال ] الخير ، وتوكّله توكّل الزهّاد . وليس مثلك من ركب خطّة لم يحكمها . ولو كنّا نثق بالنصر دائما طول العمر لما كان شيء آثر عندنا من التضييق على أنفسنا في العاجل لعمارة الآجل . ولكنّ الإنسان قصير العمر كثير المصائب مدفوع إلى الآفات . وترك الإنسان ما قد أمكنه وصار في يده تضييع . ولعلّ الذي حماه نفسه يكون سعادة لمن يأتي بعده فيفوز ذلك بما قد حرمه هو . ويجتمع للأمير أيّده اللّه ممّا قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار . وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبّلين في هذه السنة لأنّها سنة ظمأ توجب الفسخ زاد مال البلد وتوفّر توفيرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق ، فضبط به الأمير أيّده اللّه أمر دنياه . وهذه طريقة خدمة الدنيا وإحكام أمور [ 160 ب ] الرئاسة والسياسة . وكلّ ما عدل إليه الأمير أيّده اللّه من غير هذا مفسد لدنياه . وهذا رأيي ، والأمير أيّده اللّه على ما عساه يراه . فقال له أحمد بن طولون : ننظر في هذا إن شاء اللّه . وشغل قلبه كلام ابن دسومة فبات في تلك الليلة بعد أن مضى أكثر الليل يفكّر في كلامه .
هامش
( 1 ) الخطط 2 / 266 ( ابن دسومة ) ، و 2 / 250 ( أبو أيّوب ابن الشجاع ) . .
المقفى الكبير — صفحة 223 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي