تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل : « هذا جعفر بن يحيى قد أقبل » . فأخذ منديلا فمسح عينيه من البكاء وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد عليها متربّعا ، ثم قال : « ليدخل ! » فدخل . فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فألقى منه ما أكره . فأقبل عليه بوجهه وحديثه حتى أضحكه وضحك إليه . فلمّا همّ بالحركة دعا بدابّته وأمر غلمانه فسعوا بين يديه ، ثم سأل عنّي فجئت فقال : خذ عليّ ما بقي من حزبي ! فقلت : أيّها الأمير ، أطال اللّه [ 127 أ ] بقاءك ، خفت أن تشكوني إلى جعفر بن يحيى ، ولو فعلت ذلك لتنكّر لي . فقال : أتراني يا أبا محمد كنت أطلع الرشيد على هذه ؟ فكيف بجعفر بن يحيى حتّى أطلعه أنّي أحتاج إلى أدب ؟ إذن يغفر اللّه لك بعد ظنّك ووجيب قلبك ! خذ في أمرك ، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا ، ولو عدت في كلّ يوم مائة مرّة . وقال عبد اللّه بن محمد التميميّ : أراد الرشيد سفرا . فأمر الناس أن يتأهّبوا لذلك ، وأعلمهم أنّه خارج بعد الأسبوع . فمضى الأسبوع ولم يخرج . فاجتمعوا إلى المأمون وسألوه أن يستعلم ذلك . ولم يكن الرشيد يعلم أنّ المأمون يقول الشعر . فكتب إليه المأمون [ المنسرح ] :
يا خير من حنّت المطيّ به * ومن تقدّى بسرجه فرس « 1 » هل غاية في المسير نعرفها * أم أمرنا في المسير ملتبس ؟ ما علم هذا إلّا إلى ملك * من نوره في الظلام نقتبس إن سرت سار الرشاد متّبعا * وإن تقف فالرشاد محتبس
فقرأها الرشيد وسرّ بها ووقّع فيها : يا بنيّ ، ما أنت والشعر ؟ فالشعر أرفع حالات الدنيء وأقلّ حالات السريّ . والمسير إلى ثلاث إن شاء اللّه . * * * وقال صالح بن الفضل بن عبيد اللّه الكاتب : أخبرني أبي قال : لمّا خرج المأمون من خراسان شيّعه حميد الطوسيّ ، فسار معه فراسخ . فالتفت إليه المأمون فقال : ارجع أبا غانم . فقال : يا أمير المؤمنين ، أتنسّم من وجهك ، وأتشرّق بطلعتك ، وآخذ بحظّي من دولتك . فسار معه قليلا ثمّ التفت إليه فقال : يا أبا غانم [ الكامل ] :
عجب لقلب متيّم ، أحبابه * ساروا وخلّف ، كيف لا يتصدّع ؟ ارجع فحسبك ما تبعت ركابنا * إنّ المشيّع لا محالة يرجع آنس - فديتك - وحشتي بكتابكم * إنّي إلى أخباركم متطلّع
* * * وقال النضر بن شميل : دخلت على المأمون فقال لي : كيف أصبحت يا نضر ؟ قلت : بخير يا أمير المؤمنين . قال : أتدري ما الإرجاء ؟ قلت : دين يوافق الملوك ، يصيبون به من دنياهم وينقص من دينهم . قال لي : صدقت . ثمّ قال : تدري ما قلت في صبيحة يومي هذا ؟ قلت : أنّى لي بعلم الغيب ؟ قال : أصبحت وأنا أقول [ المنسرح ] :
أصبح ديني الذي أدين به * ولست منه الغداة معتذرا
هامش
( 1 ) تقدّى الفرس : أسرع ولزم الطريق .