تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
ولمّا مرض المأمون أمر أن تكتب إلى البلاد الكتب « من عبد اللّه المأمون أمير المؤمنين ، وأخيه من بعده أبي إسحاق ، ابن هارون الرشيد » . وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العبّاس ، وبحضرة الفقهاء والقضاة والقوّاد . وكانت وصيّته بعد الشهادة والإقرار بالوحدانيّة والبعث والجنّة والنار ، والصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والأنبياء عليهم السلام : إنّني مقرّ بذنب أرجو معه وأخاف ، إلّا أنّي إذا ذكرت عفو اللّه رجوت . فإذا متّ فوجّهوني وغمّضوني ، واسبغوا وضوئي وطهوري وأجيدوا كفني . ثم أكثروا حمد اللّه على الإسلام ومعرفة حقّه عليكم في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إذ جعلنا من أمّته المرحومة . ثم أضجعوني على سريري ، وعجّلوا بي . وليصلّ عليّ أقربكم بي نسبا وأكبركم سنّا ، وليكبّر خمسا « 1 » . ثم احملوني وابلغوا بي حفرتي . ولينزل بي أقربكم قرابة وأودّكم محبّة ، وأكثروا من حمد اللّه وذكره . وضعوني على شقّي الأيمن ، واستقبلوا بي القبلة ، وحلّوا كفني عن رأسي ورجليّ . ثم سدّوا اللحد ، واخرجوا عنّي وخلّوني وعملي فكلّكم لا يغني عنّي شيئا ولا يدفع عنّي مكروها . ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرا إن علمتم ، وأمسكوا عن ذكر سيّئ إن كنتم عرفتم . فإنّي مأخوذ من بينكم بما تقولون . ولا تدعوا ناعية عندي فإنّ المعول عليه يعذّب . يرحم اللّه عبدا اتّعظ وفكّر فيما حتّم اللّه على خلقه من الفناء وقضى عليهم من الموت الذي لا بدّ منه . والحمد للّه الذي توحد بالبقاء وقضى على جميع خلقه بالفناء . ثمّ لينظر ما كنت فيه من عزّ الخلافة ، هل أغنى ذلك عنّي شيئا إذ جاء أمر اللّه ؟ لا واللّه ! ولكن أضعف به على الحساب . فيا ليت عبد اللّه بن هارون لم يكن بشرا ! بل ليته لم يكن خلق ! يا أبا إسحاق ، ادن منّي ! واتّعظ بما ترى ، وخذ بسيرة أخيك في القرآن ، واعمل في الخلافة التي طوّقكها اللّه عمل المريد للّه الخائف من عقابه وعذابه ، ولا [ 126 أ ] تغترّ باللّه ومهلته ، ولا تغفل عن أمر الرعيّة . الرعيّة ! الرعيّة ! العوامّ ! فإنّ قوّة الملك بهم وبتعهّدك لهم . اللّه اللّه فيهم وفي غيرهم من المسلمين ! ولا ينهينّ إليك أمر فيه صلاح المسلمين ومنفعهم إلّا قدّمته وآثرته على غيره من هواك . وخذ من أقويائهم لضعفائهم ، ولا تحمل عليهم في شيء ، وأنصف بعضهم من بعض بالحقّ . وعجّل الرحلة عنّي والقدوم إلى دار ملكك بالعراق . وانظر إلى هؤلاء القوم الذين أنت متاخمهم فلا تغفل عنهم في كلّ وقت . والخرّمية فأعرهم ذا حزامة وصرامة وجلد ، وأسعفه بالأموال والسلاح والجنود ، فإن طالت مدّتهم فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك ، واعمل في ذلك عمل مقدّم النيّة فيه ، راجيا ثواب اللّه عليه . ثم دعا المعتصم حين اشتدّ به الوجع وأحسّ مجيء أمر اللّه فقال : يا أبا إسحاق ، عليك عهد اللّه وميثاقه وذمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتقومنّ بحقّ اللّه في عباده ، ولتؤثرنّ طاعة اللّه على معصيته ، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك . قال : اللهمّ نعم . قال : هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، فأحسن صحبتهم ، وتجاوز عن مسيئهم ، واقبل من محسنهم ، ولا تغفل عن صلاتهم في كلّ سنة عند محلّها ، فإنّ حقوقهم تجب من جهات شتّى .
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ آل عمران : 102 ] . اتّقوا اللّه واعملوا له ، اتّقوا اللّه في أمروكم كلّها . أستودعكم
هامش
( 1 ) التكبير على الجنائز : خمسا عند الشيعة ( دعائم الإسلام للقاضي النعمان 1 / 236 ) وأربعا عند السنة ( بداية المجتهد لابن رشد 1 / 226 ) .
المقفى الكبير — صفحة 169 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي