تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
من عملها . فلم يقدر على ذوقها ، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها . واشتدّ به الأمر . فسأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه عنه ، هل يمكن برؤه ؟ فأخذا يديه وجسّاه فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال منذرا بالفناء . والتصقت أيديهما ببشرته لعرقه الذي كأنّه الربّ أو كلعاب الأفاعي ، فأنكرا معرفة العرق وذكرا أنّهما لم يجداه في شيء من الكتب ، وأنّه دالّ على انحلال البدن . ثم أحضر المأمون أناسا من الروم وسألهم عن اسم الموضع ، وهو « القشيرة » فقالوا : « معنى البذندون : مدّ رجليك » فاضطرب عند سماع ذلك وتطيّر منه . فقال : ما اسمه بالعربيّة ؟ فقالوا : الرقّة . وكان في مولده أنّه يموت بموضع يعرف بالرقّة ، فكان يتحامى الإقامة بالرقّة خوفا من أن تدركه منيّته بها . فلمّا سمع ذلك علم أنّه الموضع الذي يموت فيه . فلمّا ثقل قال : « أخرجوني أشرف على عسكري وانظر إلى رجالي وأتبيّن ملكي ! » وذلك بالليل . فأخرج . فلمّا أشرف على الخيم والجيش وكثرته ، وما وقّدوا من النيران قال : يا من لا يزول ملكه ، ارحم من قد زال ملكه ! ثمّ ردّ إلى مرقده . وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشهادة لمّا ثقل ، فرفع الرجل بها صوته ليقولها المأمون ، فقال ابن ماسويه : « لا تصح ، فو اللّه ما يفرّق في هذه الحالة بين ربّه وبين ماني ! » ففتح عينيه وبهما من العظم والتورّم والحمرة ما لم ير مثله قطّ ، وأقبل يحاول أن يبطش بابن ماسويه ، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك ، فرمى بطرفه نحو السماء وقد امتلأت عيناه دموعا ، وانطلق لسانه من ساعته وقال : « يا من لا يموت ، ارحم من يموت ! » وقضى من ساعته ، وذلك يوم الخميس لثلاث عشرة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين ، فحمل إلى طرسوس فدفن بها . وكانت خلافته عشرين سنة وستّة أشهر تنقص سبعة أيّام ، سوى سنتين كان يدعى له فيهما بمكّة ، والأمين محصور ببغداد . وعمره ثمان وأربعون سنة وخمسة أشهر وأيّام ، وقيل : ويومان . وقيل : كان عمره تسعا وأربعين سنة . والصحيح أنّه عاش من العمر ثماني وأربعين سنة وأربعة أشهر وخمسة أيّام ، وما سوى هذا غلط في الحساب . وكان ابتداء مرضه لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة .

[ شيء من أخباره ]

وقال سعيد بن العلاء : دعاني المأمون يوما ، فوجدته جالسا على شاطئ البذندون ، والمعتصم عن يمينه ، وهما قد دلّيا أرجلهما في الماء . فأومأ إليّ أن أضع رجلي في الماء ، وقال : « ذقه ! هل رأيت أعذب منه أو أصفى أو أشدّ بردا ؟ » ففعلت وقلت : ما رأيت قطّ مثله يا أمير المؤمنين . فقال : أيّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب عليه ؟ فقلت : أمير المؤمنين أعلم . فقال : الرطب الأ [ خضر ] . فبينا هو يقول إذ سمعت وقع لجم البريد فالتفتّ فإذا بغال البريد [ 125 ب ] عليها الحقائب فيها الألطاف . فقال لخادم له : انظر إن كان في هذه الألطاف رطب فائت به . فمضى وعاد ومعه سلّتان فيهما [ . . . ] كأنّما جني تلك الساعة ، فأظهر شكر اللّه تعالى . وتعجّبنا جميعا . وأكلنا ، وشربنا من ذلك الماء . فما قام منّا أحد إلّا وهو محموم ، وكانت ميتة المأمون في تلك العلّة . ولم يزل المعتصم مريضا حتّى دخل العراق ، وبقيت أنا مريضا مدّة .