تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وفيها ما هو حيدة « 1 » عن القول بأنّه مخلوق . فكتب مقالتهم وبعث بها إلى المأمون ، فأجاب بذمّهم والوقيعة فيهم ، وأن يحضرهم : فمن أجاب إلى القول بخلق القرآن ، وإلّا حمله في الحديد إليه مع نفر يحفظونه . فأحضرهم إسحاق وأعلمهم بما أمر بهم فشدّوا في الحديد . فلمّا كان الغد ، دعاهم في الحديد وأعاد عليهم المحنة ، فأجاب اثنان فأطلقهما ، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح على قولهما . فشدّا في الحديد ، ووجّه بهما إلى طرسوس ، وكتب إلى المأمون بما أجاب القوم به . فلمّا صارا إلى الرقّة بلغهم موت المأمون فعادا إلى بغداد .

[ موت المأمون ]

وكان من خبر موت المأمون أنّه لمّا خرج يريد الغزو أتاه رسول ملك الروم فقال : إنّ الملك يخيّرك بين أن يردّ عليك نفقتك التي أنفقتها من بلدك إلى هذا الموضع ، وبين أن يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم بغير فداء [ 124 ب ] ولا درهم ولا دينار ، وبين أن يعمر كلّ بلد للمسلمين قد أخربته النصرانيّة ويردّه كما كان ، وترجع عن غزاتك هذه . فقام المأمون ودخل خيمته وصلّى ركعتي الاستخارة ، وخرج فقال للرسول : قل له : أمّا قولك : تردّ عليّ نفقتي ، فإنّي سمعت اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه العزيز :
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ
[ النمل : 35 - 37 ] . وأمّا قولك : إنّه يخرج كلّ أسير من المسلمين في بلد الروم ، فما في يدك إلّا أحد رجلين : إمّا رجل طلب اللّه عزّ وجلّ والدار الآخرة ، فقد صار إلى ما أراد ، وإمّا رجل طلب الدنيا ، فلا فكّ اللّه أسره ! وأمّا قولك : إنّك تعمر كلّ بلد للمسلمين قد خربه الروم ، فلو أنّي قلعت أقصى حجر في بلاد الروم ، ما اعتضت بامرأة عثرت في حال أسرها فقالت : وا محمّداه ! عد إلى صاحبك فليس بيني وبينه إلا السيف ! . وضرب الطبل فرحل ، وكان من فتحه ما تقدّم . وانصرف من غزاته فنزل عين البذندون على طريق طرسوس ، وهي عين ماء ، وتعرف أيضا ب « القشيرة » . وأقام هناك حتّى ترجع رسله من الحصون . فوقف على العين ومنبع الماء فأعجبه برد مائها وصفاؤه وحسن بياضه وطيب الموضع وكثرة الخضرة . فأمر بقطع خشب طوال فبسطت على العين كالجسر ، وجلس عليه والماء تحته . وطرح في الماء درهما فقرأ كتابته ، وهو في قرار الماء ، لصفائه . ولم يقدر أحد يدخل الماء من شدّة برده . فبينا هو كذلك إذ لاحت له سمكة نحو الذراع كأنّها سبيكة فضّة فأمر بإخراجها . فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب اضطربت وانماست من يد الفرّاش ، فوقعت في الماء كالحجر فنضحت الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته ، فبلّت ثوبه . فأخذها الفرّاش فوضعها بين يدي المأمون في منديل وهي تضطرب ، فقال : تقلى الساعة ! ثم أخذته رعدة من ساعته فلم يقدر يتحرّك من مكانه ، فغطّي باللحف والدواويج « 1 * » ، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح : « البرد ! البرد ! » ثمّ حوّل إلى المضرب ودثّر وأوقدت النيران حوله ، وهو يصيح : « البرد ! » فأتي [ 125 أ ] بالسمكة وقد فرغ
هامش
( 1 ) الحيدة : الميل عن الطريق . ( 1 * ) الدواج : المعطف الواسع .
المقفى الكبير — صفحة 167 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي