وقاتلكم على خندقها . وإن هزمكم اتّسع له المجال . ولكن قفوا قريبا من عسكرنا وخندقنا فإن قرب منّا قاتلناه .
فوقفوا . فظنّ عبد الرحمن أنّ الهيبة منعتهم ، فتقدّم إليهم ، فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان ، وكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن .
ثم قتل صاحب علمه أيضا وانهزم أصحابه فوضع أصحاب طاهر فيهم السيوف يقتلونهم حتّى [ 120 أ ] انتهوا إلى المدينة فحصرها طاهر حصارا شديدا حتى ضجر أهل المدينة ، وخاف عبد الرحمن أن يثبوا به فطلب الأمان فأمّنه طاهر . وخرج من المدينة . فترك طاهر أصحابه بباب همذان ، وصار في ألف فارس يريد قزوين فأخذها وترك فيها جندا واستعمل عليها رجلا من أصحابه . واستولى على جميع أعمال الجبل .
وكان عبد الرحمن لمّا خرج من همذان أقام يري طاهرا وأصحابه أنّه مسلم لهم راض بأمانهم .
ثم ركب في أصحابه وهجم على طاهر وأصحابه فلم يشعروا إلّا به قد خالطهم ، فثبتوا له وقاتلوه أشدّ قتال حتى تقطّعت السيوف وتكسّرت الرماح .
وانهزم أصحاب عبد الرحمن وبقي في نفر قليل يقاتل ، وأصحابه يقولون له : قد أمكنكم الهرب فاهرب !
فقال : لا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزما أبدا .
وقاتل حتّى قتل . وكان الأمين قد أمدّه بجيش عظيم ، فعند ما انتهى إليهم المنهزمون ولّوا على أدبارهم من غير قتال ، وعادوا إلى بغداد . فخلت البلاد لطاهر وأقبل يحوزها كورة كورة حتّى بلغ بعض قرى حلوان . فنزل بها وخندق على عسكره وتحصّن . فبعث الأمين في سنة ستّ وتسعين ومائة عشرين ألف فارس مع أحمد بن مزيد الشيبانيّ ، وأردفه بعبد اللّه بن حميد بن قحطبة على عشرين ألفا لحرب طاهر . فساروا من بغداد إلى خانقين « 1 * » وطاهر مقيم بموضعه وقد دسّ الجواسيس واحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتّى تمّ له ما أراد وقاتل بعضهم بعضا ورجعوا من خانقين . فتقدم طاهر ونزل حلوان ، فقدم عليه هرثمة بن أعين في جيش أمدّه به المأمون ، ومعه كتاب المأمون أن يسير إلى الأهواز ، فسار . وأقام هرثمة بحلوان .
[ تولّي المأمون الخلافة ]
وخطب في هذه السنة [ سنة 196 ] للمأمون بذكر أمير المؤمنين بعد ما كان يقال له « الإمام » .
فرفع منزلة الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التبّت طولا ، ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا ، وحمل له ثلاثة آلاف ألف درهم ، وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين ولقّبه ذا الرئاستين ، رئاسة الحرب ورئاسة القلم « 2 * » . وحمل اللواء عليّ بن هشام وحمل العلم نعيم بن خازم ، وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج .
فثار الحسين بن عيسى بن ماهان ببغداد واجتمع إليه الناس ، وخلع الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من شهر رجب سنة ستّ وتسعين ، وأخذ البيعة من الغد للإمام المأمون . فوثب من غد البيعة العبّاس بن موسى بن عيسى بالأمين [ 120 ب ] فأخرجه من قصر الخلد وحبسه بقصر المنصور ، وأخرج أمّه زبيدة فجعلها مع ابنها الأمين . فثار الناس في طلب الأرزاق من الحسين بن ماهان ، وقام محمد بن أبي خالد وجماعة عصبا للأمين وقاتلوا الحسين وأسروه ،
هامش
( 1 * ) خانقين قرب حلوان - الطبريّ ، 8 / 423 .
( 2 * ) عند الطبريّ ، 8 / 424 : رئاسة الحرب ورئاسة التدبير .