ووثب أهل الريّ فأغلقوا باب المدينة ، فقال طاهر لأصحابه : « اشتغلوا بمن أمامكم عمّن خلفكم فإنّه لا ينجيكم إلّا الجدّ والصدق » . ثم اقتتلوا قتالا شديدا ، وحملت ميمنة عليّ على ميسرة طاهر فانهزمت هزيمة منكرة وحملت ميسرته على ميمنة طاهر فأزالتها أيضا عن موضعها . فقال طاهر : اجعلوا جدّكم وبأسكم على القلب واحملوا عليهم حملة خارجية . فإنّكم متى فضضتم منها راية واحدة رجعت أوائلها على أواخرها .
فصبر أصحابه صبرا صادقا وحملوا على أوّل رايات القلب فهزموهم وأكثروا فيهم القتل ، ورجعت الرايات بعضها على بعض ، فانتقضت ميمنة عليّ ، ورأى أصحاب ميمنة طاهر وميسرته ما فعل أصحابهم فرجعوا على من بإزائهم فهزموهم . وانتهت الهزيمة إلى عليّ فجعل ينادي أصحابه : أين [ 119 ب ] أصحاب الجواشن والجوائز والأساورة والأكاليل ؟ إلى الكرّة بعد الفرّة !
فرماه رجل من أصحاب طاهر بسهم فقتله وحمل رأسه إلى طاهر ، وشدّت يداه إلى رجليه وحمل على خشبة إلى طاهر فأمر به فألقي في بئر .
وأعتق طاهر من كان عنده من غلمانه شكرا للّه تعالى « 1 » .
وتمّت الهزيمة على أصحاب علي ووضع أصحاب طاهر فيهم السيوف وتبعوهم فرسخين واقفوهم فيها اثنتي عشرة مرّة ، في كلّ ذلك ينكسر أصحاب عليّ ويقتل أصحاب طاهر منهم ويأسرون حتى حال الليل بينهم . وغنموا غنيمة عظيمة .
ونادى طاهر : « من ألقى السلاح فهو آمن ! »
فطرحوا أسلحتهم ونزلوا عن دوابّهم .
ورجع طاهر إلى الريّ ، وكتب إلى المأمون وذي الرئاستين بعد البسملة : كتابي إلى أمير المؤمنين ، ورأس عليّ بين يدي وخاتمه في أصبعي ، وجنده مصرّفون تحت أمري ، والسلام .
فورد الكتاب مع البريد في ثلاثة أيّام ، وبينهما نحو من خمسين ومائة فرسخ . فدخل ذو الرئاستين على المأمون فهنّأه بالفتح ، وأمر الناس فدخلوا عليه فسلّموا عليه بالخلافة . ووصل رأس عليّ بعد الكتاب بيومين فطيف به في خراسان .
فلمّا بلغ الأمين الخبر بقتل عليّ بن [ عيسى ] بن ماهان ، بعث الفضل بن الربيع إلى نوفل الخادم وكيل المأمون على ملكه بالسواد ، والناظر في أمر أولاده ببغداد ، فأخذ جميع ما عنده ، ومن جملته ألف ألف درهم كان الرشيد وصل المأمون بها .
وقبض ضياعه وغلّاته .
[ هزيمة ثانية لجيش الأمين ]
ووجّه الأمين بعبد الرحمن بن جبلة الأنباري « 1 * » في عشرين ألفا نحو همذان ، واستعمله عليها وعلى كلّ ما يفتحه من أرض خراسان وأمره بالجدّ وأمدّه بالأموال . فسار من بغداد حتّى نزل همذان فحصّنها ورمّ سورها . فأتاه طاهر إلى همذان فبرز إليه على تعبئته فاقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان . فكثر القتل والجرح فيهم . ثم انهزم عبد الرحمن وامتنع بهمذان أيّاما حتّى قوي أصحابه وأندملت جراحهم ، ثم خرج . فقال طاهر لأصحابه : إنّ عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم ، فإذا قربتم منه قاتلكم ، فإن هزمتموه دخل المدينة
هامش
( 1 ) انظر الطبريّ تحت سنة 195 ( ج 8 / 411 ) .
( 1 * ) هو الأنصاري فيما سبق والأبناويّ عند الطبريّ ، ولا يفهم هذا السهو من المقريزيّ ، والنسخة بخطّه . ولعلّ القراءة الصحيحة هي : الأبناوي لا الأنباري .