تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
يرجع إلى قوله ورأيه ، فكتب إليه بأن يشير عليه بإنفاذ ابن ماهان لحربهم . وقصد بذلك أنّ ابن ماهان كان لمّا ولي خراسان في أيّام الرشيد أساء السيرة في أهلها وظلمهم فعزله عنها . لذلك فإنّ أهل خراسان أبغضوه ونفروا عنه . فأراد أنّه إذا سار إليهم ازداد الخراسانيّون جدّا في محاربته . ففعل الرجل ما أمره به ذو الرئاستين ، حتى أمر الأمين ابن ماهان بالمسير . وقيل : بل سبب ذلك أنّ عليّا قال للأمين : « إنّ أهل خراسان كتبوا إليّ يذكرون أنّه إن قصدتهم أطاعوني وانقادوا إليّ ، وإن كان غيري ، فلا » . فأمره بالمسير ، وأقطعه كور الجبل كلّها : نهاوند ، وهمذان ، وقمّ ، وقاشان وغير ذلك ، حربها وخراجها . وأعطاه الأموال وحكّمه في الخزائن ، وجهّز معه خمسين ألف فارس . وكتب إلى أبي دلف القاسم بن عيسى بن إدريس العجليّ ، وهلال بن عبد اللّه الحضرميّ بالانضمام إليه . وأمدّه بالأموال والرجال شيئا بشيء . فلمّا عزم على المسير من بغداد ، ركب إلى باب زبيدة أمّ الأمين ليودّعها . فقالت له : يا عليّ ، إنّ أمير المؤمنين ، وإنّ كان ولدي [ و ] إليه تناهت شفقتي ، فإنّي على عبد اللّه متعطّفة لما يحدث عليه من مكروه وأذى . وإنّما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه ، والكريم يأكل لحم أخيه ويمنعه غيره . فاعرف لعبد اللّه حقّ ولادته ، وأخوّته ، ولا تجبهه بالكلام . فإنّك لست بنظير له ، ولا تقتسره اقتسار العبيد . ولا توهنه بقيد ولا غلّ . ولا تمنعه جارية ولا خادما ، ولا تعنف عليه في السير ولا تساوه في المسير ، ولا تركب قبله ، وخذ بركابه . فإن شتمك فاحتمل منه . ودفعت إليه قيدا من فضّة وقالت له : إن صار إليك فقيّده بهذا القيد . فقال : سأفعل ما أمرت به . ثم سار في شعبان ، وركب الأمين ليشيّعه ومعه القوّاد والجنود ، فلم ير ببغداد عسكر قبله أكثر رجالا ولا كراعا منه . ووصّاه الأمين إن قاتله المأمون أن يحرص على أسره ، ومضى . فبلغه أنّ طاهرا مقيم بالريّ والأمداد تأتيه من خراسان [ 118 ب ] وهو يستعدّ للقتال . فقال : « إنّما طاهر شوكة من أغصاني ، وما مثل طاهر يتولّى الجيوش » . ثم قال لأصحابه : ما بينكم وبين أن ينقصف انقصاف الشجر من الريح العاصف إلّا أن يبلغه عبورنا عقبة همذان ، فإنّ السخال « 1 * » لا تقوى على النطاح ، والبغال لا صبر لها على لقاء الأسد . وإن أقام تعرّض لحدّ السيوف وأسنّة الرماح . فإذا قاربنا الريّ ودنونا منهم فتّ ذلك في أعضادهم . ثمّ أنفذ الكتب إلى ملوك الديلم وطبرستان وما والاها يعدهم الصّلات وأهدى لهم التيجان والأساورة وغيرها ، وأمرهم أن يقطعوا طريق خراسان . وسار حتّى أتى أوائل الريّ ، وهو قليل الاحتياط . فأشار عليه أصحابه بإذكاء العيون وعمل الخندق على عسكره وإرسال الطلائع خوف البيات ، فقال : مثل طاهر لا يستعدّ له . وإنّ حاله يؤول إلى أحد أمرين : إمّا أن يتحصّن بالريّ فيثب به أهلها فيكفوننا أمره . وإمّا أن يرجع ويتركها إذا قربت خيلنا منه . فقالوا : لو كان عزمه تركها والرجوع لفعل ، فإنّا قد قربنا منه . فلم يلتفت إلى قولهم . فلمّا صار بينه وبين الريّ عشرة فراسخ ، استشار طاهر أصحابه ، فأشاروا عليه أن يقيم بالريّ ويدافع القتال إلى أن يأتيه المدد من خراسان ، أو يصل قائد يتولّى
هامش
( 1 * ) السخال : أولاد الغنم .