تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
الأمور دونه . وقالوا : إنّ مقامك أرفق بأصحابك وأقدر لهم على الميرة ، والزمن شتاء وبرد . فتعتصم بالبيوت وتقوى على المماطلة . فقال : إنّ الرأي غير ما رأيتم : إنّ أهل الريّ لعليّ هائبون ، ومن سطوته مشفقون ، ومعه من أعراب البوادي وصعاليك الجبال كثير . ولست آمن إن أقمت بالريّ أن يثب أهلها بنا خوفا من عليّ . وما الرأي إلّا أن نسير إليه ، فإن ظفرنا ، وإلّا عوّلنا عليها فقاتلناه فيها إلى أن يأتينا مدد .

[ القتال بين طاهر بن الحسين وابن ماهان ]

ثمّ نادى في أصحابه ، وخرج من الريّ في أقلّ من أربعة آلاف فارس ، وعسكر على خمسة فراسخ ، فأتاه أحمد بن هشام صاحب شرطه وقال له : إن أتانا عليّ بن عيسى فقال : « أنا عامل أمير المؤمنين » وأقررنا له بذلك ، فليس لنا أن نحاربه . وساروا . فقال له بعض أصحابه : إنّ جندك قد هابوا هذا الجيش . فلو أخّرت القتال إلى أن يشامّهم أصحابك ويأنسوا بهم ويعرفوا وجه المأخذ في قتالهم ؟ فقال له طاهر : لم يأتني في ذلك شيء . فقال : دعني وما أريد ! قال : افعل . فصعد المنبر فخلع الأمين ونادى للمأمون بالخلافة . فقال : إنّي لا أؤتى من قلّة تجربة وحزم : إنّ أصحابي قليل ، والقوم عظيم سوادهم كثير عددهم . فإن أخّرت القتال اطّلعوا على [ 119 أ ] قلّتنا ، واستمالوا من معي برغبة ورهبة فيخذلني أهل الصبر والحفاظ . ولكن ألقى الرجال بالرجال ، وأقحم الخيل على الخيل ، وأعتمد على الطاعة والوفاء فأصبر صبر محتسب للجنّة حريص على الفوز بالشهادة . فإن نصرنا اللّه فذاك الذي نريده ونرجوه . وإن تكن الأخرى ، فلست بأوّل من قاتل فقتل ، وما عند اللّه أجزل وأفضل . وقال علي بن عيسى لأصحابه : بادروهم ، فإنّهم قليل ، ولو وجدوا حرارة السيوف وطعن الرماح لم يصبروا عليها . وعبّأ جنده ميمنة وميسرة وقلبا ، وعبّأ عشر رايات مع كلّ راية ألف رجل وقدّمها راية راية ، وجعل بين كلّ رايتين غلوة سهم . وأمر أمراءها إذا قاتلت الراية الأولى فطال قتالهم أن تتقدّم التي تليها وتتأخّر هي حتى تستريح . وجعل أصحاب الجواشن أمام أصحاب الرايات ، ووقّف في القلب شجعان أصحابه . وعبّأ طاهر أصحابه كراديس ، وسار بهم يحرّضهم ويوصيهم ويرجّيهم فهرب من أصحابه جماعة إلى عليّ فجلد بعضهم وأهان الباقين ، فكان ذلك ممّا ألّب بقيّتهم « 1 * » على قتاله . وزحف الناس بعضهم لبعض ، فقال أحمد بن هشام لطاهر : ألا تذكّر عليّ بن عيسى البيعة التي أخذها هو علينا للمأمون خاصّة ، معاشر أهل خراسان ؟ فقال : افعل . فأخذ البيعة فعلّقها على رمح وقام بين الصفّين ، وطلب الأمان فأمّنه علي بن عيسى ، فقال : ألا تتّقي اللّه عزّ وجلّ ؟ أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصّة ؟ أتّق اللّه ، فقد بلغت باب قبرك ! فقال عليّ : من أتاني به فله ألف درهم ! فشتمه أصحاب أحمد . وخرج من أصحاب عليّ رجل فحمل عليه طاهر وأخذ السيف بيديه وضربه فصرعه . فلذلك سمّي طاهر « ذا اليمينين » .
هامش
( 1 * ) عليّ بن هامان هو الذي جلدهم وأهانهم .