له عنده صاحب البريد يكاتبه بالأخبار . فاستشار المأمون خواصّه وقوّاده في ذلك ، فأشاروا عليه باحتمال ذلك والإجابة إليه خوفا من شرّ هو أعظم منه . فقال لهم الفضل بن سهل : أتعلمون أنّ الأمين طلب ما ليس له ؟
قالوا : نعم ، ونحتمل هذا لضرر منعه .
قال : فإن فعل غيرها فما ترون ؟
قالوا : نمنعه .
قال : فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء :
فإنّهم إنّما قالوا : استصلح عاقبة أمرك باحتمال ما عرض من مكروه في يومك ولا تلتمس هدية « 1 » يومك بخطر أدخلته على نفسك في غدك .
فقال المأمون لذي الرئاستين : فما تقول أنت ؟
قال : أسعدك اللّه ، هل تأمن أن يكون الأمين قد طالبك بفضل قومك ليظهر بهم عليك ؟ بل إنّما أشار الحكماء بحمل ثقل يرجون به صلاح العاقبة .
فقال المأمون : بإيثار دعة العاجل صار من صار إلى فساد العاقبة في دنياه وآخرته .
وامتنع المأمون من إجابته إلى ما طلب . وأنفذ ثقاته إلى حدّ أعماله وأمرهم أن لا يمكّنوا أحدا من العبور إلى بلاده إلّا مع ثقة من ناحيته . فضبط الطرق بثقات أصحابه ، فلم يمكّنوا من دخول خراسان إلّا من عرفوه وأتى بجواز أو كان تاجرا معروفا .
وقيل : لمّا أراد الأمين أن يكتب إلى المأمون يطلب بعض كور خراسان قال له إسماعيل بن صبيح : « يا أمير المؤمنين ، إنّ هذا ممّا [ 117 أ ]
يقوّي التهمة وينبّه على الحذر . ولكن اكتب إليه فأعلمه حاجتك إليه وما تحبّ من قربه والاستعانة على ما ولّاك اللّه ، وتسأله القدوم عليك لترجع إلى رأيه فيما تفعل » . فكتب إليه بذلك وسيّر الكتاب مع نفر وأمرهم أن يبلغوا الجهد في إحضاره .
وسيّر معهم الهدايا الكثيرة . فلمّا حضر الرسول عنده وقرأ الكتاب ، استشار فأشير عليه بملازمة خراسان ، وخوّف من القرب من الأمين . فقال : لا يمكنني مخالفته وأكثر القوّاد والأموال معه ، والناس ما يلوون إلّا على الدرهم والدينار لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة . ولست في قوّة حتى أمتنع ، وقد فارق جبغويه الطاعة ، والتوى خاقان ملك التبّت ، وملك كابل قد استعدّ للغارة على ما يليه ، وملك أتراربندة قد منع الضريبة ، وما لي بواحد من هذه « 1 * » الأمور يد ، ولا أرى إلّا تخلية ما أنا فيه واللحاق بخاقان ملك الترك والاستجارة به ، لعلّي آمن على نفسي .
فقال ذو الرئاستين : إنّ عاقبة الغدر وخيمة ، وتبعة الغدر غير مأمونة . وربّ مقهور قد عاد قاهرا ، وليس النصر بالكثرة والقلّة ، والموت أيسر من الذلّ والضيم . وما أرى أن تصير إلى أخيك متجرّدا من قوّادك وجندك كالرأس الذي فارق بدنه فتكون عنده كبعض رعيّته يجري عليك حكمه من غير أن تبلي عذرا في قتال . فاكتب إلى جبغويه وخاقان فولّهما بلادهما ، وابعث إلى ملك كابل ووادعه ، واترك لملك اتراربندة ضريبته . ثمّ اجمع أطرافك وضمّ جندك واضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال . فإن ظفرت ، وإلّا لحقت بخاقان .
فعرف المأمون صدقه وفعل ما أشار به . فرضي أولئك الملوك العصاة . وضمّ جنده وجمعهم عنده . وكتب إلى الأمين : أمّا بعد ، فقد وصل
هامش
( 1 ) الهدية بتثليث الأوّل : الطريقة والجهة والشأن . ولعلّها :
هدنة بالنون . وانظر الطبريّ 3 / 781 .
( 1 * ) في المخطوط : من هذا .