تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
أقرب الوسائل المودّة وأبعد النسب البغضاء . وانظر أهل الجزالة والفضل والعقل منهم فشرّفهم وأوطئ الرجال أعقابهم فإنّه لا يزال لأمر القوم نظام ما كانت لهم أعلام . وأجزل لهم العطاء ووسّع عليهم في الأرزاق ، فإنّ أكثر الناس مؤونة أعظمهم مروءة . ثمّ ليكن معروفك لغيرهم بعدهم ، فإنّ الصلة تديم الألفة وصنهم ينبلوا ولا تبتذلهم فيخلقوا . واعلم أنّ رضا الناس غاية لا تدرك ، فتحبّب إليهم بالإحسان جهدك ، وتثبّت فيما يرد من أمورهم عليك ووكّل همومك بأمورك وتفقّد الصغير بفقدك الكبير . وخذ أهبة الأمر قبل حلوله ، فإنّ ثمرة التواني الإضاعة . وكن عند رأس كلّ أمر لا عند ذنبه ، فإنّ المستقبل لأمره سابق والمستدبر مسبوق . وولّ أمورك الفاضل يكن مستعليا ، ولا تولّ المفضول فإنّه مزر باختيارك . وانظر الأموال فإنّها عدّة الملوك وبها السلطان ونظام التدبير . فوفّرها بولاية أهل العفاف عنها والحيطة عليها ، ولا تبتذلها إلّا في إصلاح أمور السلطان والرعيّة ، وثواب أهل الطاعة والنصيحة . وأحسن إلى نصحائك واستدم مودّتهم ومحبّتهم بجميل التعهّد لهم والتفقّد لأمورهم . ولا تعط عطيّة تبطر الخاصّ وتؤسف العامّ ، واجعل لكلّ إليك حاجة ، واجعل لهم من فضلك مادّة . واسمع من أهل التجارب ، ولا تردّنّ على ذوي الرأي . وعوّد نفسك الصبر على التعب في إصلاح الرعيّة ، وترك الهوينا والدّعة . واعلم أنّ ذهاب السلطان يؤتى من ثلاثة أمور : قلّة الحزم ، وضعف العزم ، وفقد صالحي الأعوان ، وأنّ ثباته بأربع خلال : المعرفة ، وحسن التخيّر ، وإمضاء الاختيار ، وتنكّب أهل الحرص ، فإنّ الحريص يبيعك باليسير من حظّه ، وشره الوزراء أضرّ الأعداء . ومن خانك كذبك ومن كذبك غشّك . واعلم أنّ مادّة الرأي المشاورة فاختر [ 110 ب ] لمشاورتك أهل اللبّ والرأي والصدق وكتمان السرّ . وكافئ بالحسنة وتجاوز عن السيّئة ما لم يكن في ذلك ثلم دين ولا وهن سلطان . ودع الانتقام فإنّه أسوأ أفعال القادر . وقد استغنى عن الحقد من عظم عن المجازاة وعاقب بقدر الذنب . واعف عن الخطأ وأقل العثرات من أهل الحرمة والبلاء . وعليك ببلاد نعمتك ومواليك من أهل خراسان وغيرها من الآفاق ، فإنّهم أنصح الناس وأشدّهم سعيا في بقاء دولتك ، فإنّما عزّهم بعزّك . وتجنّب دقيق أخلاق أهل العراق ، فإنّهم نشئوا على الخبّ ومذموم الأخلاق . وإذا اطّلعت من أحد من خاصّتك وأهل نعمتك على هوى مفسد لنصيحتك فلا تقله عثرة ولا ترع له حرمة ودع الاغترار به ، فإنّك إن اغتررت به كنت كمدخل الحيّة دون شعاره ، إن شاء اللّه . فلمّا قرأ الكتاب ، قال : أفهمت يا بنيّ ؟ قال : نعم . قال : فاتّخذه لك إماما ومثالا . ثم قال : استودعك اللّه يا بنيّ ، وأنشد [ الكامل ] :
المرء يأمل أن يعي * ش ، وطول عيش ما يضرّه تبلى بشاشته ويب * قى بعد طول العيش مرّه وتخونه الأيّام ح * تّى لا يرى شيئا يسرّه كم شامت بي إن هل * كت وقائل : للّه درّه !
ثم ودّع المهديّ وقال : يا أبا عبد اللّه ، إنّي ولدت في ذي الحجّة ووليت الخلافة في ذي
المقفى الكبير — صفحة 145 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي