ليث خيس « 1 » شرس ، وللأقران مفترس ، وإنّه لكما قال أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب [ الطويل ] :
فإنّ لنا شيخا إذا الحرب شمّرت * بديهته الإقدام قبل التزاحف
[ 108 أ ] أخو الحرب قد عضّت به فتفلّلت * نواجذ من أنيابها في المزاحف « 2 »
ولمّا مات جعفر الأكبر ابن المنصور اشتدّ جزعه عليه . فلمّا قبر وسوّي عليه التراب قال : يا ربيع ، كيف قال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد ؟
فأنشده [ المنسرح ] :
يا أهل بكّوا لقلبي القرح * وللدموع الذوارف السّفح
راحوا بيحيى ولو تطاوعني ال * أقدار لم يبتكر ولم يرح
يا خير من يحسن البكاء له ال * يوم ومن كان أمس للمدح
أعقبت حزنا من السرور وقد * أدلت مكروهنا من الفرح
فبكى المنصور وقال : صاحب القبر أحقّ بهذا الشعر .
وقال المنصور يوما لابنه محمد المهديّ : يا بنيّ ، استدم النعمة بالشكر ، والقدرة بالعفو ، والطاعة بالتأليف ، والنصر بالتواضع للّه والرحمة للناس .
[ بعض خطبه ]
ولمّا أتاه مخرج محمد بن عبد اللّه شنّ « 3 » عليه درعه ولبس خفّه وصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال [ البسيط ] :
ما لي أكفكف عن سعد ويشتمني * ولو شتمت بني سعد لقد سكنوا
جهلا علينا ، وجبنا عن عدوّهم * لبئست الخلّتان ، الجهل والجبن !
أما واللّه لقد عجزوا عمّا قمنا به فما عضدوا الكافي ولا شكروا المنعم ، فما ذا حاولوا ؟ أأشرب رنقا « 1 * » على غصص ، وأبيت منهم على مضض ؟
واللّه إنّي لأصل ذا رحم بقطيعة نفسي ، ولئن لم يرض بالعفو منّي ليطلبنّ ما لا يوجد عندي . ولأن أقتل معذورا أحبّ إليّ من أن أحيا مستذلّا . فليبق ذو نفس على نفسه قبل أن يقضي نحبه ، ثمّ لا أبكي عليه ولا تذهب نفسي حسرة لما ناله .
وخطب يوم عرفة فقال : أيّها الناس ، إنّما أنا سلطان اللّه في أرضه ، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وإرشاده ، وخازنه على ماله وفيئه ، أعمل فيه بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه . وقد جعلني اللّه قفلا فإذا شاء أن يفتحني فتحني . فارغبوا إلى اللّه واسألوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
[ المائدة : 3 ] أن يوفّقني للصواب ويسدّدني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم وقسم أرزاقكم فيكم بالعدل [ 108 ب ] عليكم والإحسان إليكم .
وبعث في سنة خمس وأربعين ومائة رجالا يطلبون له موضعا يبني فيه مدينة ، فكانوا يأخذون تربة كلّ أرض فإذا عجنت « 2 * » خرجت منها العقارب والخنافس . فلمّا أخذت تربة بغداد خرجت منها بنات وردان ، فقال « هذه ! هذه ! » فنزل الدير الذي على الصراة وقال : بغداد بلد تأتيه
هامش
( 1 ) الخيس بالكسر : الأجمة الملتفّة ومنها عرين الأسد .
( 2 ) كلّ هذه الشواهد عند الطبريّ ، 7 / 621 و 8 / 95 ومنه الزيادة .
( 3 ) شنّ الدرع على جسمه : صبّها ولبسها .
( 1 * ) الرنق : الماء الكدر . والكلمة من الأضداد .
( 2 * ) في المخطوط : عضنت ولم نجدها في المعاجم .