تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الميرة من الفرات ودجلة - فاختطّ المدينة وفرغ من أساسها . فإنّه لنائم في يوم صائف إذ أقبل سليمان بن مجالد ، وسليم المكّي فاستأذنا عليه . فدخل الربيع فاحتال له حتى استيقظ . ودخلا عليه ومعهما كتاب صغير من محمد بن خالد بن عبد اللّه القسريّ يخبر فيه بخروج محمد بن عبد اللّه . فقال المنصور : يكتب إلى مصر الساعة أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين ، فإنّهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر . وأمر أن يكتب إلى العبّاس بن محمد أخيه ، وهو على الجزيرة ، أن يمدّه بمن قدر عليه ، ولو أن يبعث إليه في كلّ يوم رجلا واحدا ، لينكسر بهم أهل خراسان ، فإنّه لا يؤمن فسادهم مع دالّتهم . ونادى بالرحيل من ساعته ، فخرج في حرّ شديد حتى عسكر بنهر صرصر وصلّى العصر هناك . وأتى الكوفة وعسكر وخندق عليه . ودعا بعيسى بن موسى فقال له : إمّا أن تخرج وأقيم فأمدّك ، وإمّا أن أخرج فتقيم وتمدّني . فقال : بل أقيك بنفسي وأكفيك هذا الوجه إن شاء اللّه . فشخص . وخرج إبراهيم في عقيب خروج أخيه محمد ، فجمع المنصور ولد أبيه فقال : ما تقولون وما ترون ؟ قالوا : توجّه إليه موسى بن عيسى . فقال : واللّه يا ولد عليّ ما أنصفتم ! وجّهت أباه وأوجّهه فأكون قد وجّهت من ولد محمد بن عليّ رجلين ؟ فقالوا : توجّه عبد اللّه بن عليّ وتصطنعه . فقال : أنصب عليّ حربا أخرى . إن خافني مالأ عدوّي عليّ ، وإن ظفر أعاد الحرب بيني وبينه . وقد سمعتكم تذكرون أنّ له أربعة آلاف مولى يموتون تحت ركابه . فأيّ رأي هذا ؟ واللّه لو دخل عليّ إبراهيم بسيف مسلول لكان آمن عندي من عبد اللّه بن عليّ ! فلما قتل إبراهيم بن عبد اللّه وبعث عيسى بن موسى برأسه ، أمر المنصور أن يطاف به بالكوفة . ثم خطب بها فقال : يا أهل الكوفة ، عليكم لعنة اللّه وعلى بلد أنتم فيه ! واللّه للعجب لبني أميّة وصبرهم [ 109 أ ] عليكم ! كيف لم يقتلوا مقاتلتكم ويسبوا ذراريّكم ويخربوا منازلكم ؟ سبائيّة خشبيّة ! قائل يقول : جاءت الملائكة ، وقائل يقول : جاء جبريل وهو يقول : أقدم حيزوم ! عمدتم إلى أهل هذا البيت وطاعتهم حسنة فأفسدتموهم وأنغلتموهم « 1 * » . فالحمد للّه الذي جعل دائرة السوء عليكم ! أما واللّه يا أهل المدرة الخبيثة ، لئن بقيت لكم لأذلّنّكم ! ولمّا أتمّ بناء مدينة بغداد ونزلها في سنة ستّ وأربعين ومائة بنى الخلد ، وهو قصر على دجلة سنة سبع وخمسين ، فتولّى ناحية منه الربيع ، وناحية أبان بن صدقة . فكان المنصور يعاقب من سمّاه الخلد ويقول : الدنيا دار فناء وإنّما الخلد في الجنّة . وكان من خبر بناء بغداد [ . . . ] « 2 * » .

[ وصيّته للمهديّ ]

. . . ولمّا أراد الحجّ في السنة التي توفّي فيها أتى قصر عبدويه فأقام به . ثمّ دعا بابنه المهديّ فقال له : يا أبا عبد اللّه ، اقرأ هذا الكتاب واعمل بما فيه ! فإذا فيه : أوصيك بتقوى اللّه ومراقبته . وعليك بإكرام أهل بيتك وإعطائهم ، ولا سيّما من صلحت طريقته وظهر ستره وحسنت مودّته منهم ، فإنّ
هامش
( 1 * ) أنغلتموهم : أفسدتموهم . ( 2 * ) انقطاع في الخبر دون علاقة بالورقة الموالية .