قد غلب أبو ذفافة على المهديّ ، ورأيه ما تعلم .
فقال : يا بنيّ ، إنّ المهديّ قدم من الريّ في زيّ أهل خراسان ، فجهدت أن أنقله عن ذلك بكلّ حيلة يحتال بها في مواجهة وتعريض فلم ينتقل عنه . فلمّا صحبه أبو ذفافة لم أشعر به ذات يوم إلّا وقد طلع عليّ معتمّا على قلنسوته ، وفي رجله خفّان أسودان . فو اللّه لو ضمّ إليّ ملك مثله ما كان ذلك بأسرّ إليّ من هيئته . وإنّما أبو ذفافة رجل أراد أن ينال شيئا من الدنيا ، فقد ناله وأكثر منه . وهو رجل شريف ، وللشّريف شكر ، فلا يسوءنّكم مكانه .
ودخل عليه الربيع الحاجب يوما وفي رجليه خفّ أبيض محكوك مكعّب ، فقال له : لولا أنّي لم أتقدّم إليك لأدّبتك ! ما لك ولخفاف الزفّانين ؟ « 1 »
ودخل عليه المبارك بن فضالة وهو بالجسر الأكبر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، حدّثني الحسن قال : بلغني عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : من كان له على اللّه حقّ ، فليقم ! فما يقوم إلّا العافون عن الناس .
فقال المنصور : « قد عفوت » . ولم يدخل البصرة .
وكان المنصور وهو بالبصرة قبل أمر المسوّدة يجلس في حلقة فيها أزهر السمّان . فلمّا أفضت إليه الخلافة وفد إليه أزهر ، فقال له : ما جاء بك يا أزهر ؟
قال : يا أمير المؤمنين ، داري مستهدمة ، وعليّ دين مبلغه أربعة آلاف درهم ، وأريد أن أزوّج ابني محمّدا .
فقال : قد أمرت لك باثني عشر ألف درهم ، فخذها ولا تأتنا طالبا .
فأخذ وانصرف . فلمّا كان العام المقبل أتاه .
فلمّا رآه قال : ما جاء بك يا أزهر ؟
فقال : أتيتك يا أمير المؤمنين مسلّما .
فقال : إنّه ليقع في خلد أمير المؤمنين أنّك أتيت طالبا .
قال : ما أتيت إلّا مسلّما .
فقال : قد [ 106 أ ] أمرنا لك باثني عشر ألفا ، فخذنا ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما !
فلمّا كانت السنة الثالثة عاد إليه ، فقال : ما جاء بك يا أزهر ؟
قال : أتيتك عائدا .
فقال : قد أمر لك أمير المؤمنين باثني عشر ألف درهم ، فخذها ولا تأتنا طالبا ولا مسلّما ولا عائدا .
فلمّا كانت السنة الرابعة قدم عليه فقال : ما جاء بك يا أزهر ؟
قال : سمعتك تدعو بدعاء فجئت لأكتبه عنك .
قال : إنّه غير مستجاب : قد دعوت به أن لا أراك فلم يجب !
وأمر له باثني عشر ألفا وقال : تعال متى شئت ، فقد أعيت فيك الحيل !
وبعث المنصور إلى مسعر بن كدام الهلاليّ « 1 * » فقال له : يا أبا سلمة هل لك في أن أوّليك ؟
فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ما أرضى نفسي لأن أشتري لأهلي حاجة بدرهم حتّى أستعين بغيري ، على أنّ الثّقات قليل . فكيف أغرّك عن عملك ، وأنا إلى أن تصل قرابتي ورحمي أحوج منّي إلى الولاية ؟ فقد قال النابغة الجعديّ [ الوافر ] :
هامش
( 1 ) الزفّانون هم أهل الرقص والملاهي .
( 1 * ) في جمهرة ابن حزم ، 274 ، أضيف : الفقيه .