وقال المنصور لمعن : يا أبا الوليد ، لقد كبرت سنّك !
فقال : في طاعتك .
قال : وإنّ فيك لبقيّة .
قال : هي لك .
قال : وإنّك لتتجلّد .
قال : على أعدائك .
قال : إنّي أعدّك لأمر جسيم .
فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ اللّه قد أعدّ لك منّي قلبا معقودا بنصيحتك ، ويدا مبسوطة بطاعتك ، وسيفا مشحوذا على أعدائك .
وكان معن مع ابن هبيرة فاستأمن هو وطارق بن قدامة . فلمّا قتل ابن هبيرة كان معن بالكوفة قد وجّه ببشارة فتح واسط وصلح ابن هبيرة فأقدم في أهله فنجا ، وقتل طارق . ثم ظهر من مناصحة معن ما قدّم به على جميع القوّاد ، فولّاه المنصور مصر ، ثم ولّاه اليمن ، ثمّ ولّاه سجستان ، وبها هلك .
[ أوّل من اتّخذ الخيش المنصور ]
وأصاب عيسى بن علي في بعض الليالي حرّ شديد ، فبلّ له إزار ونام فيه . فلمّا أصبح قال له المنصور : يا عمّ ، كيف كنت في ليلتك من هذا الحرّ ؟
فقال : بللت إزارا ونمت فيه فكنت بخير ونمت أطيب نوم .
فقال : وأنا واللّه أمرت فبلّ لي ثوب فنمت فيه .
ثمّ لم أزل أروّح .
ثم إنّ المنصور فكّر ، فأمر بكرابيس « 1 » غلاظ [ 104 أ ] ثخان فبلّت وجعلت على ثلاثة أعواد ونام تحتها . ثمّ أخبر عيسى بن عليّ بما صنع فاتّخذ
عيسى مثل ذلك . ثمّ قال عيسى : يا أمير المؤمنين ، لو اتّخذت قبّة ثم غشيت بمثل هذه الكرابيس المبلولة ، وجعلت طاقات ، كان ذلك أنفى للحرّ وأوسع في المبيت والمقيل ؟
فقال المنصور : أو غير ذلك يا عمّ ؟ نعمد إلى هذا الخيش الذي يأتي فيه القند والأمتعة من مصر فيغسل وينظّف ثمّ يبلّ وتغشى به القبّة مخيطا عليها ، فإنّه أحبس لرطوبة الماء وأبطأ جفوفا .
فأمر المنصور بذلك وتتبّع الخيش فاشتري من التجّار ، وأمر فكتب إلى مصر في اتّخاذ شقاق الخيش ووجّه في ذلك رسولا حمله . فكان المنصور أوّل من اتّخذ الخيش ، واقتدى به الناس في استعماله .
وكان المنصور لا يستصبح إلّا بالزيت في القناديل ، وربّما خرج إلى المسجد ومعه من يحمل سراجا بين يديه . ثمّ إنّه حمل بين يديه من الشّمع ما فيه الرطل والمنّا [ ن ] . وكان إذا أراد قراءة الكتب أو كتاب [ ت ] ها أحضر شمعة في نور « 1 * » ثم ترفع إذا فرغ .
وكان أبو أيّوب سليمان الموريانيّ مولى بني سليم قد اتّصل بالمنصور قبل الخلافة وكتب له .
فغلب على الأمر في خلافته ، ثمّ تنكّر له المنصور فنكبه ونكب أخاه خالدا ، وكان على الأهواز ، ونكب آل أبي أيّوب وأسبابه . فمات أبو أيّوب في سجنه .
وخرج المنصور إلى الشام واستخلف ابنه المهديّ على مدينة السلام ، وتقدّم إليه باستيداء « 2 * » آل أبي أيّوب ، ثم كتب إليه بقطع أيديهم وأرجلهم وقتلهم ففعل ذلك ، وأخذت أموالهم وكانت مائة
هامش
( 1 ) الكرباس : الثوب الخشن المتلبّد . أو القماش القطنيّ الخفيف .
( 1 * ) النّور : الإناء الصغير .
( 2 * ) الاستيداء : ( أدي ) أخذ المال كرها واسترجاعا عند العزل والعقوبة .