تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وكرهوا الغدر وعاره وشرّ عواقبه في الدنيا والآخرة ، فأمسكوا عن ذلك وكرهوه . فغضب المنصور وقرأه على القوّاد والجند [ 105 أ ] فعادوا لأشدّ ما كانوا عليه وكانوا يأتون بابه فيمنعون من أن يدخل إليه أحد ، ويمشون حوله ويسيرون إذا ركب ويقولون : أنت البقرة التي قال اللّه
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
[ البقرة : 71 ] . فشكاهم إلى المنصور فقال : إنّ هؤلاء قوم قد غلب عليهم حبّ هذا الفتى حتى شيط بدمائهم واجتمعت عليه آراؤهم . وأنا واللّه يا ابن أخي وحبيب قلبي أخافهم عليك وعلى نفسي . فلو قدّمته بين يديك حتى يكون بيني وبينك لكفّوا ، وأنا لك ناصح وأنت أعلم . ويقال إنّه دسّ إليه شربة سمّ فأفلت منها . ودخل سلم بن قتيبة عليه فقال له : أيّها الرجل ، بايع هذا الأمير وقدّمه ، فإنّك لن تخرج من الأمر ، وأرض عمّك . فقال : أو ترى أن أفعل ؟ قال : نعم . قال : فإنّي أفعل . فأتى سلم المنصور فأعلمه ذلك فسرّ به وعظم له قدر سلم عنده . ودعا المنصور الناس إلى البيعة . فتكلّم عيسى وسلّم الأمر إلى المهديّ وصار بعده . وخطب المنصور فشكر عيسى على ما كان منه ، وذكر أنّه التالي للمهديّ عنده في موقعه من قلبه وحاله عنده ، ووهب له مالا عظيما ، وأقطعه قطائع خطيرة نفيسة ، وولّاه الأهواز والكوفة وطساسيجها « 1 » . ويقال إنّ المنصور أمر بعيسى فخنق بحمائل سيفه حتى خلع نفسه . وضمن له المنصور رضاه فوفى له به .

[ حزمه ووقاره ]

وكان محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن قدم البصرة مستخفيا ، ثم خرج عنها وبلغ المنصور ذلك فقدم البصرة . ويقال بل قدم في أمر القطائع والمسالح ، وكان على البصرة عمر بن حفص فولّاه السند ، وولّى شهاب بن عبد الملك بن مسمع البحر ، وولّى عبد العزيز بن عبد الرحمن الأزديّ البصرة ، وولّى سوّار بن عبد اللّه بن قدامة بن عنترة العنبريّ القضاء ، ثم ولّاه صلاة البصرة . وكان المنصور لا يرى شاربا نبيذا ، ولم يعط مغنّيا شيئا قطّ ولا أجرى عليه رزقا يثبت في ديوان أو يخرج به أمر أو كتاب . وكان أعطى الناس في حقّ وأعملهم بحزم وأشدّهم شكيمة على عدوّ . وأقبل المهدي من داره يريد المنصور ، والمنصور جالس في الخضراء في قصره بالمدينة ببغداد . فلمّا وقعت عينه عليه جعل يعوذه ويدعو له حتّى إذا تبيّنه غضب وقال : [ 105 ب ] ردّوه ! أما رأيتم عليه خفّا أحمر كأنّه من عبيد الروم ؟ أهذا لبس من كان مثله ؟ فألزمه منزله أيّاما ثم دعا به وعاتبه . وكان أمر المنصور جدّا كلّه . وقال المدائنيّ : كاتب العبسيّون محمد بن عبد اللّه بن حسن ، وكاتبهم محمد . وكان ممّن كاتبه أبو ذفافة . فلمّا شخص المنصور إلى بيت المقدس في سنة أربع وخمسين ومائة ، وغزا الصائفة ، وتتبّع الأجناد والكور ، أقدم أبا ذفافة معه فأصحبه المهديّ فخصّ به . وكان يطلعه على أسراره وأموره . فقال له الربيع : يا أمير المؤمنين ،
هامش
( 1 ) الطّسّوج ج طساسيج : الناحية .
المقفى الكبير — صفحة 139 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي