تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 466

مساهمون:

ص٤٦٦
بها ، وكنّي في هذا الكتاب بأبي الجيش . فقرئ على منبر الجامع وحضر الناس قراءته وأنفذ نسخة إلى الأعمال . ثمّ قدم خمارويه إلى مصر سلخ رجب ، فأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفّق وترك الدعاء عليه .

[ بعض أعماله المعماريّة : البستان . . . ]

وأقبل على قصر أبيه فزاد فيه ، وجعل ميدان أبيه كلّه بستانا زرع فيه أنواع الرياحين وأصناف الشجر ، وحمل إليه كلّ صنف من خراسان وغيرها وتأنّق فيه تأنّقا زائدا قد ذكرته في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار « 1 » . وبنى برجا من الخشب الساج للطيور جمع فيه أنواع الطير .

[ . . . وبركة الزئبق ]

وعمل في داره مجلسا برواق سمّاه بيت الذهب - وكان إحد [ ى ] عجائب الدنيا - وجعل بين يدي هذا البيت فسقيّة ، يقال : ذرعها خمسون ذراعا في خمسين ذراعا وملأها من الزئبق ، واتّخذ له فرشا من أدم يحشى بالريح ويربط بحبال من حرير قد عملت في حلق من فضّة حتى تصل إلى أقياد . فكان ينام على هذا الفراش فوق الزئبق ، ولم يسبقه أحد لعمل بركة من زئبق .

[ . . . ودار السباع ]

وبنى دارا للسباع فيها عدّة بيوت ، في كلّ بيت سبع ولبوة . واتّخذ لنفسه سبعا سمّاه زريق لزرقة عينيه ، وكان مطلقا في الدار لا يؤذي أحدا ، فإذا جلس أبو الجيش على المائدة ربض بين يديه ، وصار يرمي له ممّا قدّامه . وإذا نام ربض بين يدي سريره يراعيه نظره حتى ينتبه ، خوفا ممّن يعتاله . وبلغ رزق جيش خمارويه في كلّ سنة تسعمائة ألف دينار ، وقائم مطبخه المعروف بمطبخ العامّة في السنة ثلاثة وعشرين ألف دينار ، سوى مطبخه الخاصّ وما هو لداره وأرزاق من يخدم جواريه .

[ اتّخاذه حرسا خاصّا ]

وأعدّ لنفسه من مولّدي الضياع وشناتره « 2 » الحوف قوما سمّاهم « المختارة » أصحاب شجاعة وبأس شديد وخلق تامّ ، ألبسهم الأقبية والخفاتين الديباج والمناطق الثقال العراض ، وقلّدهم سيوفا محلّاة على أكتافهم ودرقا من حديد مصقول ، وصاروا يمشون بين يديه محيطين به ، وعدّتهم ألف . فكان إذا ركب أطاقوا به ، وقدّامهم على قدر نصف رمية سهم ، ألف أسود عليهم البيض الحديد المصقولة من فوق رؤوسهم ، وعلى أكتافهم الدرق ، وثيابهم أقبية سود بعمائم سود ، فتكون له هيبة عظيمة ، وكان تامّ الظهر إذا ركب كأنّه قطعة جبل في وسط هؤلاء .

[ تغلّبه على ابن أبي الساج ( جمادى 276 ) ]

فبينا هو في لذّاته إذ ورد الخبر بأنّ محمد بن ديوداذ المعروف بابن أبي الساج قد خلع طاعته ، وكان عاهد أبا الجيش وبعث إليه ابنه رهينة عنده . فوصله أبو الجيش عند قدوم ابنه بما قيمته ثلاثون ألف دينار . فقال ابن أبّا : لقد خدعكم محمد بن أبي الساج : أعطاكم بولة يبوّل مثلها [ 445 أ ] في الليلة مرّات ، وأخذ منكم ثلاثين ألف دينار ، فخرج أبو الجيش من الفسطاط في ذي القعدة سنة أربع وسبعين ، ولقيه عند ثنيّة العقاب خارج دمشق . فحملت أصحاب ابن أبي الساج على
هامش
( 1 ) الخطط 2 / 108 ، وفيها وصف البستان وبركة الزئبق ودار السباع . ( 2 ) الشتاترة : لعلّها تعني أوشاب الناس ، من شنتر الثوب ، وشنتر الأعراض : مزّقها . وفي الخطط 2 / 111 : من ولد الحوف وشناترة الضياع ، وزاد : وشغلهم عمّا كانوا فيه من قطع الطريق وأذيّة الناس ، بخدمته . وانظر الخطط 2 / 116 .