تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
المال بدار الولاية [ 440 ب ] إلى أن حضر الأمير سعد الدين كوجبا الناصريّ وحمله في تابوته إلى المدرسة الأشرفيّة بجوار المشهد النفيسيّ خارج مدينة مصر ، ودفنه بها سحر يوم الجمعة ثاني عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين وستّمائة ، وكانت مدّة سلطنته ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيّام . ومات عن ابنتين من زوجته خاتون أردكين فورثه معهنّ أخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون .

[ بعض صفاته ] :

وكان كريما شجاعا مقداما خفيف الركاب مظفّرا في حروبه . نظّف الساحل الشاميّ من الفرنج ، وفتح عكّا وصور وبيروت وصيدا وبهسنا وقلعة الروم وجميع الساحل في أقرب مدّة . وكان حسن النادرة يطارح الأدباء بذهن رائق وذكاء مفرط . واتّفق له أنّه جلس في أيّام أبيه بالميدان والقرّاء يقرءون القرآن ، وكان أبوه يحاصر طرابلس ، فقال الأشرف : في هذه الساعة أخذت طرابلس ! - فضبط ذلك فكان كما قال . وقال محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر : ما رأيت وما سمعت أسبق من ذهن الملك الأشرف إلى فهم ، ولا أدرك منه إلى ما يريد الوهم . لقد كتبت عنه واستكتبت فما علّم على مكتوب قطّ إلّا وقرأه جميعه ، وفهم أصول المكتوب وفروعه ، لا بل استدرك عليّ وعلى الكتّاب ، وخرّج أشياء كثيرة معه فيها الصواب ، وذلك بحسن تعطّف وكثير تلطّف . وعظم الأشرف في نفسه حتّى صار في آخر أيّامه يكتب موضع العلامة « خ » ، إشارة إلى الحرف الأوّل من حروف اسمه . ومنع كتّاب الإنشاء أن يكتبوا لأحد من الأمراء والنوّاب « الزعيميّ » وقال : من زعيم الجيوش غيري ؟ وكان يؤخذ في باب الجابية أحد أبواب مدينة دمشق على كلّ حمل من القمح خمسة دراهم ، فأمر بإبطال ذلك ، وكتب مرسوم المسامحة بهذا المكس ، فكتب بخطّه بين الأسطر بقلم العلامة : ولنكشف عن رعايانا هذه الظلامة ، ونستجلب لنا الدعاء من الخاصّة والعامّة ! [ البسيط ] :
وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضه * وأوّل الغيث قطر ثمّ ينسكب
إلّا أنّه رمي بأنه يشرب الخمر في رمضان ، وأنّه يفسق بالمردان ، ولا يصلّي ، فاستفتى بيدرا الفقهاء في قتله فأفتوا بإراقة دمه . وذكر أنّ بيدرا جلس معه على الأكل . فلمّا فرغ من أكله لعق أصابعه فأنكر عليه الأشرف ذلك ، فقال : يا خوند ، السنّة لعق الأصابع بعد الأكل - وذكر له قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا أكل أحدكم فلا يغسل يده - أو قال : أصابعه - حتى يلعقها ! » . فلمّا قال بيدرا الحديث ، قال الأشرف بالتركيّة : هي طاط - فسأل بيدرا الفقهاء ممّن ذكر له حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فقال : كذا ، وهذا معناه بالعربيّة : فلّاح - يعني أنّ قائل هذا فلّاح - فقالوا : هذا تنقيص ، ويقتل قائله لفساد طويّته وخبث نيّته .

[ فراسته ] :

ومن غريب ما وقع له أنّه كان مرّة راكبا للصيد ، ولاجين يومئذ من جملة السلاح داريّة ، وهو نوبته في حمل السلاح . فلمّا أقام السلطان الحلقة دفع لاجين السلاح السلطانيّ إلى بدر الدين بكتوت أحد السلاح داريّة ومضى في شغل ندب إليه . فوقف بكتوت بالسلاح على العادة ، وأطرق السلطان ساعة كالمفكّر ، ثمّ قال لبكتوت : يا بكتوت ، واللّه لقد التفتّ ورائي فرأيت لاجين خلفي وهو حامل سلاحي والسيف في يده ، فخيّل