تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
عظيم ، ثمّ انصرف إلى معسكره . وصابحهم يوم الجمعة فكان القتال أشدّ من اليوم الذي قبله . وأصعد المنصور ثلاثمائة عبد إلى القلعة فألقوا بها النار فاحترق كثير ممّا فيها وعادوا ، فأنعم على كلّ عبد بمائة درهم وخلعة .

[ الوقعة الحاسمة وأسر أبي يزيد ] :

ثمّ صبحهم يوم السبت [ 194 أ ] ولبس ثوبا أخضر موشّحا بذهب وعمامة حمراء معلمة « 1 » ، فقويت نفوس الناس وأيقنوا بالفتح لأنّه لم يلبس هذا اللباس في جميع حروبه . وقامت الحرب على ساق ، فكان يوما لم يشهد قطّ مثله ، وعلا البربر على تلك القلاع والأوعار وألقوا الصخور العظيمة فطحنت من الرجال والدوابّ ما شاء اللّه . فلمّا كان نصف النهار كلّ جميع الناس وملّوا وعطشوا من شدّة الحرب والحرّ وأثخنوا بالحجارة والجراح ، فغضب المنصور وتقدّم بنفسه في ثلاثة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل فتوغّل وعرا شديدا لا مسلك فيه للفارس ولا للراجل . فظنّ النكّار أنّهم قد ظفروا به فحمل جميعهم عليه حملة منكرة منحدرين كالسيل في الليل ، فتفرّق عنه أصحابه وأسلموه حتّى بقي وحده ، فقصدوه وتعاورته السيوف والرماح والحجارة ، وثار عجاج مظلم طبّق الأرض ، فرماه في تلك الحالة أحدهم برمح فاتّقاه بالدرقة فأنفذها إلى صدره ، وكانت الحجارة تمرّ على فرسه يمينا وشمالا حتّى كاد يسقط ، ثمّ تجلّى الغبار ، وقد ظنّ النكّار أنهم أتوا عليه ، فرأوه قائما فانهزموا بين يديه ، واتّبعهم وحده في وعر لا مسلك فيه ، فرآه أصحابه سالما وقد كانوا يئسوا منه فعطفوا من كلّ ناحية إليه وقتلوا البربر قتلا ذريعا . ولجأ أبو يزيد وأصحابه إلى قصر في ذروة القلعة وقاتلوا من أعلاه ، فضربت فازة صغيرة بالقرب من القصر وجلس المنصور فيها ، والجيوش محيطة بالقصر من كلّ ناحية ، ثمّ ألقوا النار في أبوابه . وكتب المنصور كتابا بأمان من في القصر إن هم خرجوا وأسلموا أبا يزيد ، ورفعه على قناة إليهم ، فمزّقوه ورموا به وقاتلوا قتال أهل البصائر « 2 » حتّى هجم الظلام وقد ملّ الفريقان وأعيوا . فأمر المنصور بإيقاد المشاعل حول القصر ، ودارت الجيوش عليه ، وخرج من الفازة إلى بساط جلس عليه قريبا من القصر ، وأطلق النار في الشعاري فصار الليل كالنهار المشرق ، وهو جالس ، والطبول تضرب بين يديه والأعلام منشورة . فلمّا كان في آخر الليل فتحوا باب القصر وخرجوا وهم يحملون أبا يزيد وأبا عمّار على أيديهم ، فحملوا على من يليهم حملة شديدة حتّى اختلط الناس ، وقتل من النكّار من قتل ونجا من نجا . وكان فيمن قتل أبو عمّار « 3 » وجماعة . وأسر منهم رجل فأخبر المنصور عن أبي يزيد أنّه خرج محمولا على أيدي ثقاته ، فأمر بطلبه فلم يوجد . فشقّ ذلك عليه وغمّه ووقعت فترة في العسكر « 4 » . وجاء المؤذّنون فأذّنوا بصلاة الصبح فقام وصلّى على وضوءه بالأمس . فلمّا سلّم من صلاته قال : « لو علم الفاسق أنّ في الأرض أحصن من هذه القلعة لصار إليها ، وما أحسبه زال عن هذا المكان ، ولو كان في السماء لسقط في يدي » . فهو في الكلام حتّى أتوه به أسيرا ، فحمد اللّه وأثنى عليه وشكره وسجد شكرا للّه ، وأمر للّذي بشّر به بألف دينار . وأمر بأبي يزيد فحمل إلى المضرب وهو لما به « 5 » من الضعف والجراح ، والناس
هامش
( 1 ) أي لها علامة خاصة من طراز ونحوه . ( 2 ) البصيرة : عقيدة القلب . ( 3 ) في المخطوط : أبو عامر . ( 4 ) الفترة هنا : الخيبة والانكسار . ( 5 ) لما به : تعبير جاهز نادر الاستعمال عسير التأويل ، ومعناه -
المقفى الكبير — صفحة 88 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي