تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة « 1 » . قال ابن يونس : وكانت له عبادة وفضل ، ثقة في الحديث ، لا يختلف فيه حاذق في الفقه ، يلزم الرباط . وكان أحد الزهّاد في الدنيا ، ومن خيار خلق اللّه تعالى . حدّثني إبراهيم بن محمّد بن الضحّاك قال : سمعت المزنيّ يقول : عانيت غسل الموتى ليرقّ قلبي ، فصار ذلك لي عادة . وقال أبو الفوارس السنديّ : كان المزنيّ والربيع رضيعين . وقال أبو إسحاق الشيرازيّ : كان زاهدا عالما مجتهدا مناظرا محجاجا غوّاصا على المعاني الدقيقة ، وهو إمام الشافعيّين « 2 » ، وأعرفهم بطرقه وفتاويه ، وما ينقله عنه .

[ مصنّفاته ] :

صنّف كتبا كثيرة ، منها : الجامع الكبير ، والجامع الصغير ، والمختصر ، والمنثور ، والمسائل المعتبرة ، والترغيب في العلم ، وكتاب الوثائق ، وكتاب نهاية الاختصار . وقال الشافعيّ : المزنيّ ناصر مذهبي . وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلّى ركعتين شكرا للّه تعالى . وقال أبو العبّاس بن سريج : يخرج مختصر المزنيّ من الدنيا عذراء لم تفتضّ ، وهو أصل الكتب المصنّفة في مذهب الشافعيّ ، وعلى مثاله رتّبوا ولكلامه فسّروا وشرحوا . وبلغ من احتياطه وورعه أنّه كان يشرب في جميع فصول السنة في كوز نحاس . فقيل له في ذلك ، فقال : بلغني أنّهم يستعملون السّرجين « 3 » من الكيزان والنار لا تطهّرها . وقال الربيع : دخلنا على الشافعيّ عند موته ، أنا والبويطيّ والمزنيّ ومحمّد بن عبد اللّه بن عبد الحكم . فنظر إلينا ساعة فأطال ، ثمّ التفت إلينا فقال : أمّا أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك . وأمّا أنت يا مزنيّ فستكون لك بمصر هيئات وهنات ، ولتدركنّ زمانا تكون [ فيه ] أقيس أهل ذلك الزمان . وأمّا أنت يا محمّد فسترجع إلى مذهب أبيك . وما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب . قم يا أبا يعقوب فتسلّم الحلقة ! قال الربيع : فكان كما قال .

[ مناقبه ] :

وقال عمرو بن عثمان المكّي : ما رأيت أحدا من المتعبّدين في كثرة من لقيت منهم أشدّ اجتهادا من المزنيّ ، ولا أدوم على [ 183 أ ] العبادة منه ، ولا رأيت أحدا أشدّ تعظيما للعمل وأهله منه . وكان من أشدّ الناس تضييقا على نفسه في الورع وأوسعه [ م ] في ذلك على الناس [ 170 ب ] . وكان يقول : أنا خلق من أخلاق الشافعيّ . وقال أبو عاصم العبّاديّ : لم يتوضّأ المزنيّ من حباب ابن طولون ، ولم يشرب من كيزانه ، لأنّه جعل فيه سرجين ، والنّار لا تطهّره . وتوفّي [ المزنيّ ] يوم الأربعاء لأربع وعشرين ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة أربع وستّين ومائتين بمصر . ودفن بالقرافة ، وقبره يزار ويتبرّك بالدعاء عنده . وروي عن المزنيّ أنّه قال : كنت يوما عند الشافعيّ أسأله عن مسائل بلسان أهل الكلام ، فجعل يسمع منّي وينظر إليّ ، ثمّ يجيبني عنها بأحضر جواب « 4 » . فلمّا اكتفيت قال : يا بنيّ ، أدلّك على ما هو خير لك من هذا ؟
هامش
( 1 ) رواه السيوطي في الجامع الصغير 2 / 47 . ( 2 ) الشافعيّين : قراءة ظنّيّة . ( 3 ) السرجين : الأزبال والفضلات . ( 4 ) حاشية : أحضر بضاد معجمة من حضر يحضر .