فقام وهو يقول [ الوافر ] :
متى آت الأراقم لا يضرني * نبيب الأسعديّ وما يقول
فإن تمنع سدوس درهميها * فإنّ الريح طيّبة قبول
وإنّ بني أميّة ألبستني * ظلال كرامة ليست نزول
سيحملها أبو مروان بشر * فذاك لكلّ مثقلة حمول
ويكفيني الذي استكفيت منها * بفعل لا يمنّ ولا يحول « 1 »
ولها تتمّة . ثم أتى بشرا فأنشده شعره وأخبره بما لقي . فقال : وكم حمالتك ؟
قال : خمسون ألفا .
فأمر بها وقال : أنا أحقّ برفدك من بني سدوس وبني أسعد . فقال يمدحه [ الطويل ] :
لعمري لقد أمست معدّ وأصبحت * تحبّك يا بشر بن مروان كلّها
أراها إذا ما زادك اللّه رفعة * كثيرا بها مسرورها ومهلّها
تمنّى ويرجو أن تكون خليفة * ويرجوك للدنيا وللدين جلّها
فإن أشرفت يوما على هول غمرة * مخوف رداها من بعيد مزلّها
5 فأنت الذي تقتاد منها لأهلها * وأنت إذا ما اقتدتها لا تضلّها
حياتك ما دامت لها العزّ والغنا * وملكك يحيي سلكها ويثلّها
يعمّ عليهم من جزيل ببسطة * يعيش بها ذو وفرها ومقلّها
يراها الجواد البحر منك رغيبة * وأنت إذا أعطيتها تستقلّها
وأمر بشر سراقة البارقي بهجاء جرير فهجاه ، فقال جرير [ الكامل ] :
يا بشر ، حقّ لوجهك التبشير * أهجى بلا ذنب وأنت أمير
قد كان حقّا أن تقول لبارق * يا آل بارق فيم سبّ جرير ؟
لا يدخلنّ عليك إنّ دخولهم * نحس وإنّ خروجهم تطهير
ولمّا قدم بشر استبطأ الفرزدق في إتيانه بالكوفة ، فاعتذر إليه من ذلك ، فقال [ البسيط ] « 2 » :
لو أنّني كنت ذا نفسين إن هلكت * إحداهما بقيت أخرى لمن غبرا
إذا لجئت على ما كان من وجل * وما رأيت حذارا يغلب القدرا [ 250 ب ]
كلّ امرئ آمن للخوف أمّنه * بشر بن مروان ، والمذعور من ذعرا
تغدو الرياح فتمسي وهي فاترة * وأنت ذو نائل يمسي وما فترا
في أبيات .
فأكرمه وحباه وحمله على فرس عتيق وأمر خازنه أن لا يمنعه شيئا . فكان الفرزدق لا يكون في قومه حمالة إلا احتملها وأدّاها عنه بشر حتى قيل إنّه كان ينادمه على شرابه .
وقال آخر « 3 » يذكر سهولة حجاب بشر
هامش
( 1 ) البيت الأخير مفقود من الديوان .
( 2 ) ديوان الفرزدق نشر الصاوي 1 / 289 .
( 3 ) هو الحكم بن عبدل الأسدي . البيان والتبيين 3 / 310 ؛ عيون الأخبار 1 / 88 ، البخلاء ، 226 . وفي تاريخ دمشق 10 / 113 الأبيات لأيمن بن خريم والطمطم العبد غير الفصيح .