تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وأربعمائة عن ثمانين سنة ، منها مدّة تحكّمه بديار مصر زيادة على عشرين سنة . وكان شديد الهيبة مخوف السطوة كثير البطش ، قتل في سلطنته خلقا لا يعدّ من كبار المصريّين وقوّادهم وكتّابهم ووزرائهم . وقد ذكره الشريف أبو يعلى محمد بن محمد ابن الهبّاريّة « 1 » في كتاب الصادح والباغم فقال [ الرجز ] :
كان بمصر بدر * له عليها الأمر يقتل كلّ ساعة * من أهلها جماعة ويهرق الدماء * حتى تخال ماء أصلحها بسيفه * وجوره وحيفه جزاء كلّ فعل * لديه سوء القتل لمّا عصاه ولده * وبان منه نكده خنقه بيده * ثمّ رمى بجسده فغضب المستنصر * وقال : هذا منكر فقال : لو عصاني * قلبي في جثماني نزعته من صدري * ولم يكن بنكر
ثمّ غزا لواته * إذ ظنّهم حماته فحين قيد الأسرى * قال : اقتلوهم صبرا عشرين ألفا كانوا * حتى جرى الميدان في النيل من دماهم * ولجّ في إفناهم وهو على ظهر الفرس * كضيغم إذا افترس ومات حتف أنفه * لم يعتسف بعسفه
وكان واسع النفس بحيث إنّه كان اتّخذ وهو بعكّا ، ثلاثمائة قنطار بالشاميّ سكّرا ، فعزّ في سنة اثنتين وستّين وأربعمائة السكّر ، وبلغت قيمة القنطار إلى خمسين دينارا ، وطلب فلم يوجد في أوّل شهر رجب منها ، فقيل لبدر : ثمن هذا السكّر الذي عندك خمسة عشر ألف دينار ، تبيعه أو بعضه ؟ فامتنع ، وقال : نحن نحتاج إليه في هذه الشهور ، يعني رجب وشعبان ورمضان ، فاستعملت كلّها في مطابخه ، وسمحت نفسه بإتلاف هذا المبلغ الكبير من الذهب . وعلى يده صلحت ديار مصر وعمرت بعد تحكّم الفساد بها وخرابها . ومن محاسن سيرته أنّه أباح الأرض لمن يزرعها مدّة ثلاث سنين حتى تراجعت إلى الفلّاحين أحوالهم واستغنوا في أيّامه . ومنها أنّه بسط العدل فأمّنت الطرق ، وحضر إلى مصر والقاهرة كثير من التجّار وأرباب الأموال ، بعد انتزاحهم عنها في أيّام الشدّة .
هامش
( 1 ) ابن الهبّاريّة ( ت 509 ) : النجوم 5 / 210 . والمنظومة نشرها عزّت العطّار القاهرة 1936 . والأبيات في ص 60 منها بعنوان : « مثل ملك ظالم لم يقتل بل مات حتف أنفه » .