تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
ابن المغربيّ إليه وعرّفه ما فيه الغرض ، وصار من خواصّه . ولم يكن عند أهل الدولة علم من أنّ المستنصر استدعاه وظنّوا أنّه قدم زائرا ، فلم يتأخّر أحد منهم عن ضيافته والقيام بما يتعيّن من كرامته ، وقدّموا إليه أشياء كثيرة حتى كملت نوبه من الجميع . [ ف ] استدعى الأمراء إلى دعوة صنعها لهم ، وقرّر مع خواصّه أنّه إذا بات الأمراء وجنّهم الليل فإنّه لا بدّ لكلّ واحد منهم أن يصير إلى الخلاء لقضاء حاجته ، فمن صار منهم إلى الخلاء يقتل فيه ووكّل بكلّ أمير منهم واحدا من أصحابه ، وجعل له سائر ما هو بيد ذلك الأمير من إقطاع وجار ودار ومال وجوار وغير ذلك . فلمّا حضر الأمراء عنده وقام لهم بما يليق بهم ظلّوا نهارهم عنده في أرغد عيش وباتوا مطمئنّين إليه . فلم يطلع الفجر حتى استولى أصحاب أمير الجيوش على بيوت الأمراء وصارت رؤوس الأمراء بين يديه . فقويت شوكته وانبسطت يده وخلت الديار له من منازع . فاستدعاه حينئذ المستنصر وقرّره في الوزارة وردّ إليه الأمور كلّها وعاهده على ذلك . وكتب له سجلّ نعت فيه ب « السيّد الأجلّ أمير الجيوش كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين » ، وصار القاضي والداعي نائبين عنه يقلّدهما [ 243 أ ] هو . وكان من جملة ما في سجلّه بعد التقريظ الكبير : وقد قلّدك أمير المؤمنين جوامع تدبيره وناط بك النظر في كلّ ما وراء سريره ، فباشر ما قلّدك أمير المؤمنين من ذلك مدبّرا للبلاد ، مصلحا للفساد ، ومدمّرا أهل العناد . وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر بدل الطوق الذي كان للأمراء ، وزيد له الحنك الذي يعرف اليوم باللثام مع الذؤابة المرخاة ، وهي التي يقال لها العذبة « 1 » ، وجعل له الطيلسان المقوّر - ويعرف اليوم بالطرحة ، وهي التي يلبسها قاضي القضاة . ونزل إلى داره ، فحضر إليه المتصدّرون بالجامع للسلام عليه . وقرأ القارئ :
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ
[ آل عمران : 123 ] ، وسكت عن تمام الآية « 2 » ، فقال له بدر : واللّه لقد جاءت في مكانها ، وجاء سكوتك عن تمام الآية أحسن - وأنعم عليه . وشرع في تدبير الأحوال ، واستبدّ بأمور الدولة ، وحجّر على المستنصر أتمّ حجر ، وكبر أمره ، وأخذ في تلافي ما انتهك من حرمته . وكانت الأحوال قد فسدت والأمور قد تغيّرت وطوائف العسكر قد انتشرت ، والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنهي ، والرخاء قد أيس منه ، والصلاح لا يطمع فيه ، ولواتة قد ملكت الوجه البحريّ كلّه ، والعبيد في الصعيد ، والطرقات قد انقطعت برّا وبحرا إلّا بالخفارة الثقيلة ، والخراب قد شمل مدينة مصر ، والعسكر [ قد ثاروا ] . فتجرّد لإزالة الفساد ، وساعدته الأقدار حتى أنشأ دولة جديدة ، واستعاد ما كان قد تغلّب عليه أمراء البلاد وقضاتها مثل عسقلان وصور وطرابلس . وقتل سائر أهل الفساد . وأنشأ دارا بحارة برجوان من القاهرة وسكنها ، فعرفت بعده بدار المظفّر . وقتل من أماثل المصريّين وقضاتهم ووزرائهم وأعيانهم خلقا كثيرا . وقدمت إليه عدّة من طوائف الأرمن تقوّى بهم . فلمّا دخلت سنة سبع وستّين [ وأربعمائة ] حصر شكليّ « 3 » أخو أتسز [ بن أوق ] الخوارزميّ ثغر عكّا
هامش
( 1 ) انظر : ابن المأمون 76 . ( 2 ) وتمامها : وأنتم أذلّة . ( 3 ) اتّعاظ 2 / 314 ولم يقل إنّه أخو أتسز .
المقفى الكبير — صفحة 229 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي