خربندا قد انتخب من خيار عساكر المغل عشرة آلاف فارس ، وعزم على الحجّ ، وأنّه ما يأمن على الأمير أرغون النائب أن يقبضه جوبان ويحمله إلى الشرق . وكتب إلى الأمير تنكز أن يخرج بعساكر الشام إلى جهة الكرك ليدرك الأمير أرغون خشية وشفقة عليه .
فبرز النائب من دمشق إلى منزلة الصنمين بالعساكر ثمّ بدا للسلطان فكتب إلى تنكز أن يعود بالعسكر إلى دمشق فعاد ، وأخذ يراعي أمر أرغون ، وجهّز إليه الإقامة على العادة ، وكتب له أن يسرع بالعود [ 168 ب ] هو وولده . فقدما يوم الأحد ثامن عشر المحرّم سنة سبع وعشرين .
فبعث السلطان بالأمير قجليس « 1 » ليتلقّاه من باب القلعة [ 129 ب ] ولا يمكّنه من العبور إلى داره بها .
فلما حاذاه إذا صياح عياله على ابنة زوجته ، وقد ماتت . فتطيّر من ذلك ، ومضى إلى باب القلّة .
فقبض عليه وعلى ولده ، وفرّق بينهما .
[ تغيّر السلطان عليه ] :
وتردّد الأمير بكتمر الساقي في الرسالة إليه عدّة مرار ، والسلطان يعدّد له ذنوبا ، وهو يعتذر عنها ، إلى أن تقرّر الحال على إخراجه لنيابة حلب عوضا عن الأمير الطنبغا . وخرج ومعه أيتمش المحمّديّ . وسار الأمير الجاي إلى الطنبغا ليحضره . فقدم أرغون دمشق يوم الجمعة ثالث عشرينه في الساعة الرابعة . وخرج الأمير تنكز نائب الشام فتلقّاه بميدان الحصى خارج دمشق ، وترجّل له ، فترجّل له أرغون أيضا وتعانقا وسارا إلى جامع بني أميّة لصلاة الجمعة . فبينا هما في صحن الجامع إذ دخل الجاي بألطنبغا نائب حلب ، وكان السلطان قد قرّر هذا لأمور قصدها .
فسلّم أرغون على الطنبغا بالإيماء والإشارة ، وصلّيا . وقاموا جميعا مع الأمير تنكز إلى طعام صنعه لهم ، فأكلوا . وركب أرغون البريد إلى حلب فدخلها يوم السبت مستهلّ صفر ، وباشرها وأعاد أيتمش .
وكان الذي عمل عليه حتّى خرج من مصر القاضي فخر الدين ناظر الجيش « 2 » ، فإنّ الأمير أرغون كان يضع منه لبغضه له ، فلا يتمكّن الفخر من إمضاء ما يريده ، خوفا منه . وأخذ يغري السلطان به ويخيّله منه . وبالغ حتّى قال :
« يا خوند ، ما أتى على سلطان قطّ إلّا من نائبه » .
وذكر له ما فعله لاجين وهو نائب العادل كتبغا وما فعله بيدرا ، وهو نائب الملك الأشرف ، وما وقع للمنصور لاجين بسوء تصرّف منكوتمر نائبه ، وما فعله سلار ، وهو نائب ، بالمظفّر بيبرس ، حتّى زال ملكه . فلم يصبر على هذه ، وعمل به ما عمل .
ولم يكفه ذلك ، حتّى إنّه لمّا قدم الأمير أيتمش المحمّدي من حلب ، أخذ السلطان يسأله عن أرغون وما يقوله ، وهل هو راض أو متسخّط ، فأجاب بكلّ جميل عن هذه ، والفخر جالس .
فالتفت إليه وقال : يا أيتمش ، كلّ ما قلته صحيح .
لكن واللّه لو قام أرغون في النيابة شهرا واحدا ، ما رأيت السلطان على هذا الكرسيّ !
فأثّر قوله في نفس السلطان بما لا يزول . وألزم شرف الدين الخطير كاتب أرغون بإظهار أمواله ، وهدّده بالشنق متى أخفى منها شيئا ، وألزمه بعمل أوراق بها . فلمّا نجزت قبضها ، وأنعم منها بما شاء ، واستولى على بقيّتها . وتتبّع الزامه وقبض عليهم .
هامش
( 1 ) سيف الدين قجليس أمير سلاح ( ت 731 ) ؛ النجوم :
9 / 287 .
( 2 ) هو فخر الدين محمد بن فضل اللّه بن خروف قبطي أسلم وحسن إسلامه ، انظر ترجمته ج 6 / 516 ( 3017 ) .
والنجوم 9 / 296 .