ومات هو عقيب ذلك بسجنه في سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة « 1 » .
697 - أرجواش الأعور [ - 701 ] « 2 »
[ 184 أ ] أرجواش ، الأمير علم الدين سنجر ، المنصوري ، الأعور ، أحد المماليك المنصوريّة قلاوون .
كان موصوفا بالإقدام والشجاعة ، فذهبت إحدى عينيه بسهم في بعض حروبه . وكان جافيا لا يعرف الهزل . فولّاه السلطان قلعة دمشق فلم يضبط عليه أنّه خرج منها [ 167 ب ] ولا سيّر ، وحفظها حفظا جيّدا . فلما مات المنصور ، وقدم ابنه الأشرف خليل دمشق بعد فتح عكّا « 3 » ، ووقف في خدمته على العادة ، رأى الأشرف رجلا طوالا بهيئة غريبة ، فأخذ يسأل عنه الأمراء ، فعرّفوه ما هو عليه من يبس المزاج والانفراد عن الناس وجفاء الخلق .
فأراد السلطان الانبساط معه وممازحته ، وأشار لبعض الخاصّكيّة أن يقف وراءه ويضع أصابعه في دبره . فما هو إلّا أن فعل ذلك ، وإذا به التفت إلى الخاصّكيّ ولكمه فسقطت كلوتته عن رأسه ، وجذب سيفه ليضربه به ، فصاح به السلطان وقد اشتدّ ضحكه وقال : وا لك ! تلكم مملوكي ؟ وإيش فعل بك ؟
فأجاب بغضب شديد : نحن ما تعوّدنا بشيء من هذا ، ولا رأيناه في زماننا ، ولكن صار هذا في زمن
يبقى فيه آخر عمرنا مخانيث ومساخر « 4 » .
فاشتدّ غضب السلطان عليه ، وأمر ، فأخذ سيفه وألقي إلى الأرض وضرب ضربا مبرّحا ، ووقعت الحوطة على موجوده ، وسجن بالقلعة . فوجد له نحو سبعين ألف درهم وثلاثة آلاف دينار ، وسلاح ، وقماش ، وغيره ، بلغ ثمنه لمّا أبيع نحو مائتين وستّين ألف درهم ، فقام الأمراء في حقّه وشفعوا فيه ، حتّى أعيد إلى نيابة القلعة وردّ عليه جميع ما أخذ له بعد ما ألبسه السلطان عباءة وعزم على قتله .
فلمّا كانت نوبة غازان « 5 » وحوصرت قلعة دمشق نهض أتمّ النهوض في حفظها ، وثبت لقتال التتار ، وقد ملكوا سطح دار السعادة « 6 » ورموا على القلعة . وما زال يرمي عليهم قوارير النفط حتى احترقت الأخشاب ، وسقط السقف بهم ، فاحترقت دار الحديث الأشرفيّة ، والمدرسة العادليّة . وما زال على قتالهم حتى رحلوا . وكان ثباته سببا لسلامة بلاد الشام بأسرها .
وتوفّي يوم [ . . . ] ذي الحجّة سنة إحدى وسبعمائة .
ومن نوادر تغفّله أنّه استدعى القرّاء لقراءة ختمة للملك المنصور لمّا بلغه موته . فلمّا أخذوا في القراءة أخذ دبّوسا وقال : كيف يكون للسلطان هذه القراءة ؟ اقرؤوا عاليا !
فضجّوا بالقراءة جهدهم [ 184 ب ] وطاقتهم .
فلمّا فرغوا من الختمة وأعلم بذلك قال : تقرءون
هامش
( 1 ) وكذلك في السلوك 2 / 856 ، دون ذكر الشهر .
( 2 ) الوافي 8 / 338 ( 3766 ) ؛ المنهل الصافي 2 / 294 ( 358 ) ؛ الدرر 1 / 371 ( 865 ) ؛ السلوك 1 / 924 .
( 3 ) فتح عكّا كان في جمادى الأولى سنة 690 ؛ النجوم 8 / 6 .
( 4 ) في السلوك 1 / 768 ، حكاية غير هذه ، وتعليق من المقريزي : وكان أرجواش على النمط الأوّل من البعد عن المجون .
( 5 ) هجوم غازان على الشام كان في شعبان 698 ؛ انظر :
النجوم 8 / 158 .
( 6 ) دار السعادة بدمشق هي دار الإمارة .