تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
إسماعيل قال : كان أحمد بن نصر خلّي فلمّا قتل في المحنة وصلب رأسه أخبرت أن الرأس يقرأ القرآن فمضيت فبتّ بالقرب من الرأس ، وكان قد وكّل به من يحفظه . فلمّا هدأت العيون سمعت الرأس يقرأ القرآن
ألم * أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 1 - 2 ] فاقشعرّ جلدي . ثمّ رأيته بعد ذلك في المنام وعليه السندس والإستبرق وعلى رأسه تاج ، فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي وأدخلني الجنّة [ 7 أ ] قال المروزيّ : سمعت أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل - وذكر أحمد بن نصر ، فقال : رحمه اللّه ، ما كان أسخاه ! لقد جاد بنفسه . أمّا نعيم بن حمّاد « 1 » فكان من أهل مرو ، طلب الكثير من الحديث بالحجاز والعراق ثمّ نزل مصر ثمّ أشخص منها في خلافة الواثق فسئل عن القرآن فلم يوافقهم على ما أرادوه منه - يعني القول بخلق القرآن فحبس حتّى مات . وأمّا الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين « 2 » فروى الحافظ أبو الفرج بسنده إلى محمد بن أحمد بن عمرو بن عيسى قال : سمعت أبي يقول : ما رأيت مجلسا أنبل من مجلس اجتمع فيه المشايخ بجامع الكوفة في وقت الامتحان ، فقرئ عليهم الكتاب الذي فيه المحنة ، فقال أبو نعيم : أدركت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين شيخا ، منهم الأعمش فمن دونه « 3 » فما رأيت أحدا يقول بهذه المقالة - يعني بخلق القرآن - ولا تكلّم أحد بها إلّا رمي بالزندقة ، فقام أحمد بن يونس فقبّل رأس أبي نعيم وقال له : جزاك اللّه خيرا عن الإسلام ! وقال الإمام أبو بكر ابن أبي شيبة لمّا أن جاءت المحنة إلى الكوفة : قال لي أحمد بن يونس : الق أبا نعيم فقل له ! فلقيته فقلت له . فقال : إنّما هو ضرب الأسياط . ثمّ أخذ زرّ ثوبه وقال : رأسي أهون عليّ من هذا . وأمّا عفّان بن مسلم « 4 » فقال حنبل : كنت حاضرا عند عفّان بعد أن امتحن فسأله يحيى بن معين بحضور أبي عبد اللّه أحمد بن جنبل ونحن معه ، فقال : يا أبا عثمان أخبرنا بما قال لك إسحاق بن إبراهيم في المحنة وما رددت عليه ؟ . فقال عفّان ليحيى بن معين : يا أبا زكريا ، لم أسوّد وجهك ولا وجوه أصحابك - يعني أنّه لم يجب إلى القول بخلق القرآن . فقال له : فكيف كان ؟ فقال : دعاني إسحاق بن إبراهيم ، فلمّا دخلت عليه قرأ الكتاب الذي كتبه المأمون من أرض الجزيرة إلى الرقّة ، فإذا فيه : امتحن عفّان وادعه أن يقول : القرآن كذا وكذا ، فإن قال ذلك فأقرّه على أمره وإن لم يجبك فاقطع عنه الذي يجرى عليه - وكان المأمون يجري عليه في كلّ شهر خمسمائة درهم . قال عفّان : فلمّا قرأ عليّ الكتاب قال لي : ما تقول ؟ فقرأت عليه
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
إلى آخرها وقلت : أمخلوق هذا ؟ فقال لي إسحاق : يا شيخ إنّ أمير المؤمنين أمر إن لم تجب [ بأن ] يقطع عنك ما يجري عليك ، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا عنك نحن أيضا ، فقلت له : قال اللّه تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
[ الذاريات : 22 ] فسكت عنّي إسحاق وانصرفت . فسرّ أبو عبد اللّه ويحيى ومن كان حاضرا . فلما رجع إلى داره عذله أهل بيته - وكانوا أربعين نفسا . فبعد قليل دقّ عليه الباب إنسان فدخل ومعه كيس فيه ألف درهم . فقال : يا أبا عثمان ثبّتك اللّه كما ثبّت الدين ! وهذا
هامش
( 1 ) نعيم بن حمّاد ( ت 228 ) : أعلام النبلاء 10 / 595 ( 209 ) . ( 2 ) أبو نعيم ( ت 219 ) : أعلام النبلاء 10 / 142 ( 21 ) . ( 3 ) تاريخ بغداد 12 / 349 . ( 4 ) عفّان بن مسلم ( ت 220 ) : أعلام النبلاء 10 / 242 ( 65 ) .