تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
صالح ) وأخبرني بعض الخدّام أن المتوكّل كان قاعدا وراء ستر ، فلمّا دخل أبي الدار قال المتوكّل لأمّه : يا أمّاه ، قد أنارت الدار ! ثمّ جاء خادم بمنديل فيه قميص ومبطّنة وقلنسوة ، ثم أخذ بيد أبي عبد اللّه فأقامه وأدخل يده في جيب القميص والمبطنة ثمّ أخرج يده اليمنى واليسرى وهو لا يحرّكها ، ثمّ أخذ قلنسوة فوضعها على رأسه وألبسه طيلسانا . فلمّا عاد إلى الدار نزع الثياب عنه وجعل يبكي ويقول : سلمت من مخالطة هؤلاء منذ ستّين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم ! ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام - يعني ولد الخليفة - فكيف بمن يجب عليّ نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده ؟ ثمّ قال : يا صالح ، وجّه هذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدّق بثمنها ، ولا يأخذ أحد منكم شيئا منها ولا من ثمنها . فبيعت وفرّق ثمنها . وكان المتوكّل يرسل إليه المائدة فلا يأكل منها شيئا وكانت توضع في الدهليز حتى لا يراها ، وكان يمكث ثلاثا لا يطعم ، فإذا كانت الليلة الرابعة أضع بين يديه شيئا من السويق فربّما شربه [ 6 ب ] . وربّما ترك بعضه ، ومكث على ذلك خمسة عشر يوما . ( قال ) وقبض الخليفة على ابن أبي دواد فكان المتوكّل يرسل عقّابا ويعقوب فيقولان له : أمير المؤمنين يقول لك : ما تقول في ابن أبي دؤاد وفي ماله ؟ فلا يجيب في ذلك شيئا . ثمّ أصدر ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد أن أشهد عليه ببيع ضياعه ، وكان عليّ بن الجهم ويحيى وغيرهما يتردّدون إليه في كلّ يوم ويبلغونه السلام عن المتوكّل . ثمّ إنّ المتوكّل أمر أن تشترى لنا دار فقال لي أبي : يا صالح إن وافقتهم على شراء دار لتكوننّ القطيعة بيني وبينك ! هؤلاء يريدون أن يصيّروا هذا البلد لي مسكنا . ( قال ) وجاءه يعقوب قاصد الخليفة فقال له : يجيئك ابني بين المغرب والعشاء فتحدّثه بحديث أو حديثين ؟ فقال : لا ، لا يجيء . فلمّا خرج سمعته يقول : ترى لو بلغ أنفه طرف السماء حدّثته ؟ أنا أحدّث حتّى يوضع الحبل في عنقي ؟ يريدون أن أحدّث فيكون هذا البلد حبسي ، وإنّما كان سبب فتنة الذين أقاموا بهذا البلد أنّهم أعطوهم [ . . . ] فحدثوا . قال الحافظ أبو الفرج : وبلغني عن أبي الحسين ابن المنادي أنّه قال : امتنع أحمد من الحديث [ . . . ] بنحو ثمان سنين وذلك أنّ المتوكّل وجّه إليه يقرأ عليه السلام ويسأله أن يجعل المعتزّ في حجره ويعلّمه العلم ، فقال للرسول : اقرأ على أمير المؤمنين السلام وأعلمه أنّ عليّ يمينا مقفلة أنّي لا أتمّ حديثا حتّى أموت . وقد كان أمير المؤمنين أعفاني ممّا أكره ، وهذا ممّا أكره ، فقام الرسول من عنده . وكان المتوكّل يوجّه إليه في كلّ يوم ويسأله عن حاله ويأمر لنا بالمال فيقول : يوصل إليهم ولا يعلم شيخهم ، ويقول : لم يمنع جماعته . وقال بعض أعدائه للمتوكّل : إنّه لا يأكل من طعامك ولا يجلس على فراشك ويحرّم هذا الشراب الذي تشرب . فقال في الجواب : لو نشر المعتصم - يعني أباه - وقال فيه شيئا لم أقبله ! . قال المروزيّ : سمعت أبا عبد اللّه يقول : إنّي لأتمنّى الموت صباحا ومساء ، أخاف إن أحيا ، أن أفتن بالدنيا . لقد تفكّرت البارحة فقلت : هذه